سرّ جديد في مصر القديمة يكشف خفايا طقوس دفن الفراعنة
بعد أكثر من ثلاثة عقود على اكتشاف جبانة تل آثار قويسنا في دلتا النيل، كشف تنقيب جديد عن تفاصيل تضيف بعداً مختلفاً إلى فهم المعتقدات الجنائزية في مصر القديمة. فالعثور على دفنات في "الوضعية الأوزيرية"، إلى جانب مئات تماثيل الأوشابتي ولقى جنائزية غير مألوفة، يفتح الباب أمام إعادة قراءة الطقوس الدينية في العصور المتأخرة، ويعزز أهمية منطقة لطالما اعتُبرت أقل سخاءً بالاكتشافات الأثرية مقارنة بجنوب البلاد.
طقوس بقيت حية
أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية اكتشاف عدد من الدفنات البشرية في "الوضعية الأوزيرية"، إضافة إلى مجموعة من اللقى المرتبطة بالشعائر الجنائزية، ومجموعتين تضمان نحو 560 تمثالاً من الأوشابتي المصنوع من الفيانس، حمل عدد منها نصوصاً مقتبسة من "كتاب الموتى".
وتحاكي "الوضعية الأوزيرية" هيئة الإله أوزير، إله البعث والآخرة لدى المصريين القدماء، حيث توضع الذراعان متقاطعتين فوق الصدر، في رمز ارتبط بالحياة بعد الموت.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن جبانة تل قويسنا، المكتشفة عام 1990، تعد من أبرز جبانات الأفراد في وسط الدلتا، وتضم مدافن تعود إلى العصر المتأخر (664-332 ق.م.)، ثم العصرين اليوناني والروماني، ما يجعلها شاهداً على تحولات سياسية وثقافية امتدت قروناً.

إعادة قراءة المعتقدات
يرى كبير الأثريين في وزارة السياحة والآثار الدكتور مجدي شاكر أن الكشف يتجاوز إضافة قطع أثرية جديدة، لأنه يساعد الباحثين على فهم طبيعة الطقوس الجنائزية خلال مرحلة شهدت دخول قوى أجنبية إلى مصر.
ويقول لـ"النهار" إن الدفن وفق "الوضعية الأوزيرية"، إلى جانب استخدام تمائم مصرية تقليدية مثل "الأوجات" وتميمة الإصبع، يعكس استمرار العقيدة المصرية رغم التحولات السياسية التي عرفتها البلاد.
ويضيف أن الفريق الأثري رصد عنصراً جديداً يتمثل في وضع أطباق بين ساقي المتوفى وأسفل ذراعيه، وهي ممارسة غير معروفة سابقاً، ما يدفع الباحثين إلى دراسة دلالاتها الدينية أو الرمزية.
ويلفت شاكر أيضاً إلى العثور على إناء مستورد من جزيرة رودس اليونانية، معتبراً أن وجوده داخل الجبانة يشير إلى استمرار العلاقات التجارية مع العالم الخارجي، حتى خلال مرحلة تراجعت فيها قوة الدولة المصرية.

أهمية إضافية للدلتا
يفتح الاكتشاف المجال أمام إعادة تقييم الإمكانات الأثرية في دلتا النيل، وهي منطقة ظلت الاكتشافات فيها أقل عدداً بسبب طبيعة التربة، وارتفاع منسوب المياه الجوفية، واتساع الرقعة الزراعية، إضافة إلى ما تعرضت له عبر التاريخ من غزوات وعمليات نهب.
ويشير شاكر إلى أن معظم الجيوش التي غزت مصر كانت تتوقف عند منطقة المنيا، من دون التوغل جنوباً، الأمر الذي أسهم في اختلاف طبيعة المواقع الأثرية بين شمال البلاد وجنوبها.
أولوية الحفظ
ورغم أهمية الاكتشاف، يدعو شاكر إلى إعادة النظر في أولويات العمل الأثري، موضحاً أن الإعلان المتكرر عن اكتشافات جديدة "ينبغي أن يترافق مع تطوير البنية التحتية اللازمة لحفظها".
ويقول إن "مصر تضم نحو 55 مخزناً أثرياً، إلا أن كثيراً منها لا يلبّي المتطلبات الحديثة، وخصوصاً في ما يتعلق بحفظ المومياوات". لذلك يقترح توجيه الاستثمارات خلال السنوات المقبلة إلى تجهيز المخازن وترميم الآثار المكتشفة، قبل توسيع أعمال التنقيب.
ويرى أن المحافظة على التراث المكتشف "تمثل خطوة لا تقل أهمية عن العثور على آثار جديدة"، لأن القيمة العلمية لأي كشف تبقى مرتبطة بقدرة المؤسسات على صونه ودراسته وإتاحته للأجيال المقبلة.
نبض