حفتر وتركيا... من العداء إلى شراكة الحدود
كشف مصدر عسكري لـ"النهار" أن العقد يشمل تزويد ليبيا معدات وتقنيات متطورة لمراقبة الحدود البرية، بينها أجهزة رصد بالأشعة وتقنيات حرارية وطائرات مسيّرة.
يعكس توقيع قيادة "الجيش الوطني" الليبي اتفاقاً عسكرياً مع شركة تركية لتنفيذ منظومة متطورة لإدارة الحدود الجنوبية ومراقبتها تحولاً عميقاً في العلاقة بين أنقرة وبنغازي. فبعد سنوات من العداء والمواجهة غير المباشرة، ينتقل الطرفان إلى شراكة أمنية واقتصادية فرضتها تحولات المشهد الليبي وتشابك المصالح الإقليمية.
ويتجاوز الاتفاق في دلالاته حدود المشروع الأمني، إذ يمثل تتويجاً لمسار متدرج بدأ بإعادة فتح قنوات الاتصال السياسي، ثم توسع إلى الاستثمار وإعادة الإعمار، وصولاً إلى التعاون العسكري في أكثر المناطق الليبية حساسية.
الجنوب في الواجهة
تنبع أهمية المشروع من استهدافه الجنوب الليبي، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر المناطق هشاشة في شمال أفريقيا، بعدما بات الشريط الحدودي المترامي نقطة تقاطع لتداعيات الحرب في السودان، واضطرابات منطقة الساحل، وتصاعد نشاط شبكات تهريب البشر والأسلحة والمخدرات، إضافة الى تحركات الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
وأعلنت القيادة العامة لـ"الجيش الوطني" توقيع عقد تنفيذ المرحلة الأولى بطول 275 كيلومتراً، تغطي نحو 15 في المئة من إجمالي الشريط الحدودي الجنوبي، مؤكدة أن المنظومة الجديدة "تستهدف تعزيز إدارة الحدود مع دول الجوار، ورفع كفاءة التنسيق الأمني والاقتصادي، ومكافحة الجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير الشرعية، بما يعزز السيادة الوطنية".
وفي أول تعليق له، أكد نائب قائد "الجيش الوطني" صدام حفتر أن المشروع يأتي انطلاقاً من "المسؤولية في حماية الأمن القومي الليبي"، مشيراً إلى أنه سيعزز مكافحة شبكات الاتجار بالأسلحة والمخدرات وعمليات التهريب، ويرفع كفاءة التنسيق الأمني والاقتصادي مع دول الجوار.
واعتبر أن المشروع "يجسد الشراكة الوثيقة مع تركيا والدول الصديقة الداعمة لاستقرار ليبيا"، من دون أن يسمي تلك الدول، متعهداً مواصلة جهود تأمين الجنوب وتطوير قدرات الوحدات العسكرية وعدم السماح بالمساس بأمنه واستقراره.

التكنولوجيا بدلاً من الانتشار
أحيطت تفاصيل الاتفاق وتكلفته بالسرية، إلا أن مصدراً عسكرياً كشف لـ"النهار" أن العقد يشمل "تزويد ليبيا معدات وتقنيات متطورة لمراقبة الحدود البرية، بينها أجهزة رصد بالأشعة وتقنيات حرارية، إضافة إلى طائرات مسيّرة مخصصة للمراقبة والاستطلاع".
ويتضمن الاتفاق أيضاً "برامج لتدريب العسكريين الليبيين على تشغيل هذه المنظومات، إلى جانب إيفاد مستشارين أتراك لتقديم الدعم الفني والتقني خلال مراحل التنفيذ".
وتبدأ المرحلة الأولى، بحسب الباحث الليبي في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد إمطيريد، بإنشاء مراكز استشعار لمراقبة الحدود، وتركيب أبراج متابعة وكاميرات للرصد الليلي والنهاري، بما يخفف الأعباء الميدانية عن "الجيش الوطني" في ظل الطبيعة الصحراوية الوعرة للجنوب.
وتمنح هذه المنظومات الوحدات العسكرية القدرة على تقليص انتشارها المباشر على امتداد الصحراء، بعد أن تتولى التقنيات الحديثة مهمات المراقبة والإنذار المبكر، بينما تدار التحركات الميدانية من خلال غرف التحكم. وهو ما يراه إمطيريد، في حديثه الى "النهار"، عاملاً مهماً لحماية الجنود وتقليل المخاطر التي يواجهونها في مناطق شاسعة يصعب تأمينها بالوسائل التقليدية.
كما يفترض أن تحدّ المنظومة من حرية حركة المجموعات المتمردة التي تطلق على نفسها "غرفة عمليات الجنوب"، والتي تستفيد من المثلث الحدودي بين ليبيا والنيجر وتشاد، إضافة الى دورها في مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات وتحركات الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وفقاً لإمطيريد.
تفاهمات أوسع
لا يأتي المشروع في سياق ليبي داخلي صرف. فقد كشف مصدر ديبلوماسي غربي لـ"النهار" أن الاتفاق "يندرج ضمن تفاهمات أجريت قبل نحو شهرين بين تركيا وإيطاليا تحت مظلة الولايات المتحدة، تقضي بإشراك أنقرة في دعم جهود تأمين الحدود الليبية والحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا عبر البحر المتوسط".
وتمنح هذه التفاهمات المشروع بعداً إقليمياً وأوروبياً، إذ تتقاطع الحاجة الليبية إلى ضبط الجنوب مع المخاوف الأوروبية من اتساع موجات الهجرة، ومع سعي تركيا إلى تعزيز نفوذها في شرق ليبيا بعد سنوات من تمركز حضورها السياسي والعسكري في الغرب.
كذلك، يعكس المشروع تقاطعاً متزايداً في المصالح بين أنقرة وبنغازي. فالسلطة العسكرية في الشرق تحتاج إلى تقنيات وقدرات لا تملكها محلياً، فيما ترى تركيا في التعاون الأمني بوابة إضافية لتوسيع حضورها داخل مناطق ظلت لسنوات ضمن دائرة خصومها.
إعادة رسم النفوذ
يمثل اختيار شريك تركي لتنفيذ مشروع سيادي بهذا الحجم مؤشراً واضحاً على نجاح أنقرة في توسيع حضورها في شرق ليبيا. إلا أن هذا التقارب يضع السلطة العسكرية في بنغازي أمام معادلة دقيقة، إذ يوفر لها الخبرات والتقنيات اللازمة لتأمين الحدود الجنوبية، فيما قد يثير اتساع الحضور الأمني التركي في تلك المنطقة الحساسة تساؤلات لدى الحلفاء التقليديين لـ"الجيش الوطني"، ولا سيما بعض الدول العربية وروسيا.
ومن هنا، يتحول اتفاق الحدود إلى أكثر من برنامج تقني لضبط الجنوب. فهو يعكس قدرة بنغازي على تنويع شراكاتها الإقليمية، والانفتاح على خصم سابق من دون التخلي عن تحالفاتها التقليدية، في مرحلة يعاد فيها رسم خرائط النفوذ داخل ليبيا وتتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التوازنات الجيوسياسية.
ويرى إمطيريد أن الاتفاق يبقى "ضمن إطار سيادة الدولة الليبية"، مؤكداً أن لبلاده شراكات مع دول إقليمية رئيسة تحترمها، "لكن لا يمكن أن نرهن ما يخدم أمن البلاد واستقرارها بأي اعتبارات أخرى". ويستبعد أن يثير المشروع انزعاجاً لدى دول الجوار، "خصوصاً أن الجميع يدركون حجم الاختراقات التي تشهدها الحدود الجنوبية، وما ألحقته من أضرار بمصالح ليبيا واقتصادها".
نبض