محاولة تفجير في صرمان… "داعش" يعود إلى ليبيا من بوابة الساحل الأفريقي؟
أعاد إحباط محاولة تفجير سيارة مفخخة أمام مدرسة في مدينة صرمان غرب ليبيا فتح ملف التهديدات الإرهابية داخل البلاد، وسط مخاوف من عودة نشاط تنظيم "داعش" وخلايا متطرفة تستفيد من تصاعد الاضطرابات في منطقة الساحل الأفريقي والصحراء، ومن هشاشة الحدود الجنوبية الليبية. وتأتي الحادثة في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من تمدد التنظيمات المتشددة في غرب أفريقيا، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة هذه الجماعات على إعادة بناء شبكاتها داخل ليبيا أو استخدام أراضيها ممراً لوجستياً لعمليات مستقبلية.
إحباط كارثة في صرمان
وأعلنت الأجهزة الأمنية في غرب ليبيا، قبل أيام، إحباط محاولة تفجير سيارة مفخخة كانت متوقفة أمام إحدى المدارس في مدينة صرمان، في عملية حالت دون وقوع كارثة كان يمكن أن تحصد أرواح العشرات، بينهم أطفال.
وأوضح جهاز المباحث الجنائية التابع لوزارة الداخلية أن فريقه المختص تمكن من تفكيك السيارة، التي كانت معدة للتفجير عن بُعد، بعدما أظهرت المعاينة الفنية احتواءها على خمس قذائف مدفعية ولغماً أرضياً موصولين بدائرة تفجير يتم التحكم بها عن بُعد، قبل أن ينجح خبراء المتفجرات في إبطال مفعولها من دون تسجيل أي إصابات.
ولم تعلن السلطات الأمنية هوية الجهة المسؤولة أو دوافعها، إلا أن طبيعة العملية أثارت قلقاً واسعاً في الأوساط الليبية، نظراً إلى أن استخدام سيارة مفخخة مزودة بمتفجرات عسكرية وآلية تفجير عن بُعد ارتبط تاريخياً بعمليات تنظيم "داعش" خلال سنوات نشاطه في ليبيا.
ورغم نجاح الأجهزة الأمنية في منع وقوع الكارثة، فإن الحادثة تعيد التذكير بأن خطر الإرهاب لا يزال قائماً. ويزداد القلق لأن تجهيز سيارة مفخخة بهذا المستوى يتطلب تخطيطاً مسبقاً، وقدرات فنية ولوجستية، وإمكانية الوصول إلى ذخائر عسكرية، ما يعزز فرضية وقوف شبكة منظمة خلف العملية، وليس مجرد تحرك فردي. كما يحمل اختيار مدرسة هدفاً للعملية دلالة خاصة، إذ اعتادت التنظيمات الإرهابية استهداف المدنيين لإحداث أكبر قدر من الصدمة المجتمعية.

مخاوف من انتقال التهديد عبر الساحل الأفريقي
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تنظيم "داعش" فقد منذ سنوات قدرته على فرض سيطرة ميدانية داخل ليبيا، لكنه احتفظ بخلايا محدودة تنتشر في المناطق الصحراوية والوعرة. وفي المقابل، حذرت تقارير صادرة عن قيادة القوات الأميركية في أفريقيا "أفريكوم"، إلى جانب عدد من مراكز الدراسات الأمنية، من تنامي نشاط تنظيمي "داعش" و"القاعدة" في غرب أفريقيا، مستفيدين من هشاشة الأوضاع الأمنية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وتثير هذه المعطيات مخاوف من انتقال عناصر إرهابية أو خبرات قتالية عبر الحدود الجنوبية الليبية، التي لا تزال تمثل تحدياً أمنياً معقداً.
ويؤكد رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أحمد حمزة، لـ"النهار"، أن "عودة هذا النمط من الجرائم الخطيرة، مثل التفجيرات عن بُعد وعمليات التفخيخ، تعيد إلى الأذهان أساليب الجماعات المتطرفة والإرهابية، وقد تعكس محاولات لإعادة تنظيم صفوفها استعداداً لاستئناف عملياتها".
ويضيف حمزة أن هذه التطورات تأتي في ظل التدهور الأمني الذي تشهده بعض مدن الساحل الغربي وضواحي العاصمة طرابلس، إلى جانب وجود فراغ أمني واضح، ما قد يهيئ بيئة مناسبة لعودة نشاط هذه الجماعات. ويلفت إلى أن المشهد الحالي يذكّر بمرحلة سابقة شهدتها ليبيا، ولا سيما في مدينة صبراتة، مستشهداً بالهجمات الإرهابية التي استهدفت فندق كورينثيا في طرابلس، ومقر المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والمؤسسة الوطنية للنفط.
ويشدد على ضرورة رفع مستوى الحذر، وتعزيز المتابعة الأمنية الدقيقة، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتعقب أي خلايا يشتبه في نشاطها، بهدف إحباط مخططاتها والتعامل معها في مراحلها المبكرة.
الاستخبارات في مواجهة الخطر
بدوره، يرى المستشار بمجلس الأمن القومي الليبي فيصل رزق بو الرايقة أن حادثة تفكيك السيارة المفخخة في صرمان تمثل "جرس إنذار أمني" أمام الدولة والمجتمع، مشيراً إلى أنها "تكشف عن محاولات لاختبار يقظة الأجهزة الأمنية والبحث عن ثغرات يمكن من خلالها إعادة الخوف والاضطراب إلى المدن والمواطنين".
ويلفت بو الرايقة، في تصريح لـ"النهار"، إلى أن "طبيعة التهديدات الأمنية في ليبيا تغيرت بصورة واضحة، فالخطر قد يتجسد اليوم في خلايا صغيرة، أو سيارة مجهزة للتفجير، أو شبكات تمويل خفية"، مضيفاً أن "اليقظة الأمنية أصبحت ضرورة وطنية، ولا سيما مع تمدد تنظيمي داعش والقاعدة في منطقة الساحل والصحراء، واستغلالهما مسارات التهريب وتجارة السلاح والفراغات الحدودية للتحرك وإعادة التموضع".
ويشدد على أهمية الحفاظ على جهاز الاستخبارات، الذي دخل خلال الأيام الماضية دائرة الصراع السياسي للسيطرة على رئاسته، مشيراً إلى أن هذه المعطيات تعزز الحاجة إلى دعم الجهاز الذي يصفه بأنه "العين الاستراتيجية للدولة، والجهة المنوط بها جمع المعلومات وتحليلها واستباق التهديدات ومكافحة الإرهاب قبل تحوله إلى خطر فعلي". ويؤكد أن "المخابرات العامة ليست مؤسسة تقليدية، وإنما تمثل العقل الأمني للدولة، القادر على رصد التهديدات الخفية ومتابعة ما يجري خلف الحدود وداخل الفراغات التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة".
ويختتم بو الرايقة بالدعوة إلى إجراء تحقيق مهني وشامل في حادثة صرمان، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية، محذراً من أن "التطرف غالباً ما يبدأ من ثغرة صغيرة، ثم يتوسع مع ضعف منظومة المعلومات، بينما يتراجع عندما تمتلك الدولة عيناً يقظة، وعقلاً يحلل، وقراراً يتحرك في الوقت المناسب".
نبض