من بغداد إلى طرابلس... هل تلحق ليبيا بمسار مكافحة الفساد؟
أعادت الخطوات التي اتخذها العراق أخيراً في فتح ملفات فساد كبرى وإطلاق ملاحقات قضائية واسعة، طرح التساؤلات بشأن إمكان انتقال هذا النهج إلى ليبيا، التي تواجه منذ سنوات تحديات عميقة في مكافحة الفساد، وسط ضغوط دولية متزايدة لإصلاح الإدارة المالية وتعزيز الحوكمة وحماية المال العام.
وتأتي هذه التساؤلات في وقت تكشف فيه المؤسسات الرقابية والقضائية الليبية تباعاً عن ملفات فساد كبيرة، بينما لا تزال النتائج العملية محدودة، في ظل الانقسام السياسي وهشاشة المؤسسات، ما يثير نقاشاً حيال قدرة البلاد على الانتقال من كشف المخالفات إلى محاسبة المسؤولين عنها.
وشملت قضايا الفساد التي كشفت عنها النيابة العامة الليبية وديوان المحاسبة، خلال الأشهر الماضية، تسهيل التزوير في آلاف وثائق منح الجنسية، وتهريب وتوزيع الوقود المدعوم، ومخالفات في توريد الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلاً عن تضخم كلفة عقود البنية التحتية وتأخر تنفيذها. وكان أحدث هذه القضايا تحقيقاً فتحته النيابة العامة بشأن ضبط عمليات اتجار بمبيدات زراعية محظورة واستخدامها على نطاق واسع. واقتصرت التحقيقات والموقوفون على ذمتها حتى الآن على التجار، ولم تمتد إلى مسؤولين، رغم أن معظم تلك المبيدات المستوردة دخلت البلاد عبر منافذ رسمية، بحسب ما أعلنته النيابة العامة.
مؤشرات مقلقة
وتواصل ليبيا تسجيل مستويات متدنية في مؤشرات النزاهة والشفافية. فقد أظهر مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، استمرار تراجع ليبيا في مؤشرات النزاهة والحوكمة، بعدما حصلت على 13 نقطة من أصل 100، وحلت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة شملها المؤشر، لتبقى ضمن الدول الأكثر تضرراً من الفساد عالمياً.
ويعكس هذا التقييم، الذي يعد أحد أبرز المؤشرات الدولية المعتمدة لقياس مستويات الفساد في القطاع العام، استمرار ضعف الشفافية وآليات الرقابة، إلى جانب تراجع قدرة المؤسسات على حماية المال العام، في ظل الانقسام السياسي وهشاشة الأجهزة الرقابية وتراجع فاعلية المنظومة القضائية.
ويرى مراقبون أن التجربة العراقية في ملاحقة ملفات الفساد الكبرى قد تشكل نموذجاً يمكن الاستفادة منه في ليبيا، شرط توافر الإرادة السياسية، وضمان استقلال القضاء، وتمكين الأجهزة الرقابية من أداء مهامها بعيداً من أي تدخلات، بما يتيح ملاحقة جميع المتورطين دون استثناء، ويمهّد الطريق أمام إصلاحات مؤسسية أكثر فاعلية في مكافحة الفساد وترسيخ سيادة القانون.

الإرادة السياسية أولاً
ورغم أوجه الشبه بين العراق وليبيا، إذ يعتمد البلدان بصورة رئيسية على إيرادات النفط، وشهدا انهيار أنظمة حكم شمولية كشف هشاشة المؤسسات، وفق الخبير الليبي في الشؤون الاقتصادية عبد الرحيم شيباني، فإنه يحذر، في تصريح لـ"النهار"، من الاعتماد على إجراءات استثنائية في مكافحة الفساد "من دون غطاء تشريعي منضبط"، إذ قد تُستغل "لتصفية الخصوم"، وهو ما حدث في ليبيا في بعض ملفات احتكار السلع. ويوضح أن الإرادة السياسية تمثل مفتاحاً أساسياً للحد من التجاوزات المالية والإدارية، لكنها تحتاج إلى التكامل مع منظومة تشريعية ورقابية وقضائية فاعلة.
ولا يعوّل شيباني على الضغوط الدولية لإنجاز الإصلاحات المالية والقانونية المطلوبة في بلاده، موضحاً أن التدخلات الدولية "محدودة، وتركز على ملفات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لكنها لا تهتم بالقضايا المحلية". ويشدد على أن ليبيا تحتاج بصورة ملحّة إلى "حزمة تشريعات منظمة تحمي الحق العام، وتحافظ على حقوق المتهمين، وكذلك رجال القانون والضبط، والأجهزة الرقابية المختصة بحاجة إلى كوادر متخصصة مؤهلة للتعامل مع التطور التقني، مع إمكان الاستفادة من التعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة".
عراقيل الانقسام
أما رئيس تجمع الأحزاب الليبية الدكتور فتحي الشبلي، فيربط قدرة بلاده على السير في اتجاه مماثل للعراق بـ"قرار سياسي جريء من هرم السلطة، مع تسخير كل إمكانيات الدولة الأمنية لتنفيذه"، مضيفاً: "في ظل ما تعانيه ليبيا من انقسام سياسي ومؤسسي، لا يستطيع النائب العام أو أي قوة أمنية القيام بعملية تطهير، إذ يتطلب ذلك دولة مستقرة واحتكار السلاح بيدها".
ويؤكد الشبلي، وهو أستاذ في القانون، أن مكافحة الفساد ومعاقبة مرتكبيه "ستأتي يوماً ما عندما تتأسس الدولة الموحدة. أما الآن، فالأمر مؤجل ومستبعد، رغم أن النائب العام يبذل جهداً كبيراً في التصدي، لكنه لا يستطيع في بعض الأحيان محاسبة كبار الفاسدين نتيجة الظروف السياسية".
ويعتبر أن ما يشهده العراق من ملاحقات لملفات الفساد "يبعث برسالة واضحة مفادها أن أحداً ليس فوق سلطة القانون، وأن الليبيين لن ينسوا الأموال التي أهدرت، ولا سنوات التعطيل، ولا ما أصاب مؤسسات الدولة من تراجع. ففتح ملفات الفساد قد يتأخر، لكنه سيبقى مطروحاً، والوثائق ستظل شاهدة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نبض