دعوات جديدة لتوحيد المعارضة في تونس... ما فرص تجاوز الانقسامات؟
عاد الحديث عن توحيد صفوف المعارضة في تونس إلى الواجهة، بعدما وجّه عدد من الشخصيات السياسية الموقوفة دعوة إلى تجاوز الخلافات والعمل ضمن جبهة موحدة في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد. وتأتي المبادرة في وقت تواجه فيه المعارضة أزمة تنظيمية وسياسية ممتدة، ما يعيد طرح فرص نجاح أي محاولة جديدة لتجاوز الانقسامات التي رافقتها طوال السنوات الماضية.
وتضمّنت قائمة الموقعين على الرسالة، التي نشرتها هيئة الدفاع عنهم، رئيس "حركة النهضة" راشد الغنوشي، ورئيس "جبهة الخلاص الوطني" أحمد نجيب الشابي، وأمين عام "الحزب الجمهوري" عصام الشابي، والمحامي العياشي الهمامي، والسياسيين جوهر بن مبارك وشيماء عيسى وعبد الحميد الجلاصي.
خيار فرضته موازين القوى
يرى المحلل السياسي بسام حمدي، في تصريح لـ"النهار"، أن دعوات توحيد المعارضة تعكس إدراك مختلف الأحزاب والمنظمات المعارضة حجم التراجع الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة.
ويؤكد أن المعارضة "تعيش حالة من الضعف السياسي والتنظيمي نتيجة الانقسامات الداخلية، وعدم عقد بعض الأحزاب مؤتمراتها الانتخابية"، فضلاً عن تراجع حضورها داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما البرلمان، "وهو ما أفقدها جزءاً مهماً من ثقلها السياسي"، وفق تقديره.
ويشير إلى أن خروج معظم أحزاب المعارضة من المؤسسات المنتخبة جعلها أقل تأثيراً في المشهد العام، مستشهداً بـ"حركة النهضة" التي كانت "تتمتع بثقل سياسي أكبر عندما كانت ممثلة داخل السلطة التشريعية".
ويعتبر أن هذه المعطيات دفعت مختلف مكونات المعارضة إلى الاقتناع بأن أياً منها لم يعد قادراً على التأثير منفرداً، ما يفسر الدعوات إلى توحيد الصفوف والعمل المشترك رغم اختلاف المرجعيات السياسية.
ويربط هذا التقارب أيضاً بشعور المعارضة بأنها "باتت تواجه المصير نفسه، بعدما وُضعت مختلف مكوناتها في خانة واحدة"، الأمر الذي دفعها إلى تنسيق مواقفها، ولا سيما في ظل التطورات القضائية الأخيرة وصدور أحكام ثقيلة بحق عدد من قياداتها، إضافة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تراهن المعارضة على استثمارها لاستعادة جزء من حضورها في الشارع.
ورغم ذلك، يستبعد حمدي أن تفضي هذه الدعوات سريعاً إلى نتائج ملموسة، معتبراً أن المعارضة ما زالت عاجزة عن تغيير موازين القوى أو تعبئة احتجاجات واسعة، في ظل تراجع حضورها التنظيمي وضعف قواعدها في مختلف الجهات.

مراجعات لم تُنجز
في المقابل، يرى الباحث السياسي حسان العيادي أن المشكلة لا تكمن في غياب دعوات الوحدة، وإنما في غياب مراجعات سياسية حقيقية تسمح ببناء مشروع جديد.
ويقول العيادي، في تصريح لـ"النهار"، إن المبادرة الحالية "لن تُحدث تغييراً حقيقياً لأنها لم تقطع مع إرث الماضي"، معتبراً أن انضمام شخصيات جديدة، مثل غازي الشواشي، "لا يمثل تحولاً نوعياً ما دامت الوجوه والخطابات نفسها حاضرة".
ويوضح أن الموقعين على هذه الدعوة أخفقوا في توحيد المعارضة عندما كانوا خارج السجن، متسائلاً عن حدود قدرتهم على التأثير وهم داخله.
ويلفت العيادي إلى أن المعارضة "تعيد إنتاج المبادرات نفسها" التي طُرحت خلال السنوات الماضية من دون أن تحقق نتائج، مؤكداً أن تجاوز الانقسامات "يحتاج إلى مراجعة التجارب السابقة، وإعادة ترتيب الأولويات، وبناء مشروع سياسي جديد قادر على استعادة ثقة التونسيين، إلى جانب توسيع دائرة المشاركين".
ويذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن الحديث عن قطيعة حقيقية مع الماضي لن يكون ممكناً إلا إذا تمكنت شخصيات تمثل أقطاباً سياسية متناقضة، مثل راشد الغنوشي وعبير موسي، من الالتقاء على أرضية مشتركة، مؤكداً أن "ذلك وحده قد يعكس نشوء قاعدة سياسية مختلفة".
ويشير الباحث السياسي التونسي إلى أن الدعوات الحالية تندرج في إطار "تحريك المياه الراكدة والتذكير بالأولويات"، أكثر من كونها مؤشراً إلى تحول سياسي فعلي.
أزمة تتجاوز الأحزاب
ولا يربط العيادي أزمة المعارضة بالانقسامات بين الأحزاب فقط، بل يعتبر أنها "جزء من أزمة أوسع يعيشها المجال العام في تونس"، الذي يشهد حالة عزوف غير مسبوقة عن العمل السياسي.
ويقول إن الأحزاب والمنظمات والقطاعات الاجتماعية "أصبحت تتحرك بصورة منفردة"، في ظل غياب التنسيق القادر على إنتاج ديناميكية جامعة.
ويشدد العيادي على أن التونسيين فقدوا الثقة بالفاعلين السياسيين عموماً، ما خلق فراغاً سياسياً انعكس في تراجع الاهتمام بالشأن العام، معتبراً أن المبادرات الحالية "لا تبدو، بصيغتها الراهنة، قادرة على كسر هذا الجمود أو استعادة ثقة الشارع".
رغم أن الدعوات الأخيرة تعكس إدراكاً متزايداً لدى أطراف المعارضة بأنها لم تعد قادرة على العمل منفردة، فإن نجاحها يبقى مرتبطاً بقدرتها على إجراء مراجعات سياسية عميقة، وتحويل الدعوات إلى مشروع سياسي جامع يتجاوز خلافات السنوات الماضية.
نبض