13 عاماً على 30 حزيران... ثورة أعادت رسم معادلة مصر والمنطقة
بعد ثلاثة عشر عاماً على تظاهرات 30 حزيران/يونيو 2013 التي انتهت بعزل الرئيس الراحل محمد مرسي وإنهاء حكم جماعة "الإخوان المسلمين"، لا تزال تلك المحطة تمثل أحد أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ المصري الحديث. وبينما يعتبرها مؤيدوها لحظة أنقذت الدولة الوطنية وغيرت مسار مصر والمنطقة، يرى مراقبون أن تأثيراتها تجاوزت حدود الداخل المصري لتطال توازنات الإقليم، في ظل استمرار الجدل حول إرثها السياسي والفكري.
وقبيل خروج الملايين إلى الشوارع، كانت مؤشرات الرأي العام تعكس تراجعاً حاداً في ثقة المصريين بمستقبل البلاد. وتشير بيانات "مركز استطلاعات وبحوث الرأي العام" الصادرة في نيسان/أبريل 2013 إلى أن نسبة من توقعوا تحسن أوضاع الدولة خلال العام التالي بلغت 23% فقط، بعدما كانت 62% في آب/أغسطس 2011.
وفي ظل هذا المناخ، خرجت التظاهرات التي رفعت شعار "يسقط يسقط حكم المرشد"، التي يرى مؤيدوها أن تدخل الجيش بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي آنذاك استند إلى تقديرات اعتبرت أن مشروع جماعة "الإخوان المسلمين" يشكل تهديداً للأمن القومي المصري، مع تداعيات تمتد إلى الأمن العربي، ما دفع المؤسسة العسكرية إلى مساندة الحراك الشعبي.
"ثورة غيّرت مسار مصر"
يقول عضو لجنة العلاقات الخارجية السابق في مجلس النواب طارق الخولي لـ"النهار": "بعد 13 عاماً من الثورة، يمكن تحليل نتائجها بوضوح، وأعتقد أنها أنقذت مصر، وعدلت مسارها لمئات السنين المقبلة".
ويضيف الخولي، الذي كان من قيادات حركة "تمرد"، أن الثورة واجهت تحديات كبيرة ومحاولات لإفشالها من أطراف ارتبطت مصالحها بجماعة "الإخوان المسلمين"، إلا أن تلك المحاولات لم تنجح، مشيداً بالدعم الذي تلقته مصر من عدد من الدول العربية خلال المراحل الأولى بعد الثورة.
ويستعيد أولى الزيارات البرلمانية إلى الخارج عقب الثورة، قائلاً: "عانينا كثيراً، وكنا نتعرض للترهيب والاعتداءات من عناصر الإخوان لمنعنا من توضيح الحقيقة للعالم. وأتذكر أن أول زيارة للجنة إلى الولايات المتحدة شهدت اعتداءات علينا في المطار، في محاولة لمنعنا من أداء مهمتنا، لكن ذلك لم يثننا عن تصحيح الصورة التي روّجها التنظيم في الخارج".
حتى لا تكون آفة حارتنا النسيان.. ماذا حدث في السابع والعشرين من يونيو 2013؟ pic.twitter.com/vyuaRegral
— ONtvLIVE (@ONliveEgypt) June 27, 2026
الدولة الوطنية في مواجهة التنظيم
ومن بين الدول التي يكثر الحديث عن دورها في هذه المناسبة، تبرز الإمارات، التي يعتبرها مسؤولون وسياسيون مصريون من أبرز الداعمين للقاهرة خلال تلك المرحلة، في توقيت وصفوه بأنه كان "بالغ الحساسية".
ويقول المفكر الإماراتي والأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة الدكتور محمد البشاري لـ"النهار": "في ذكرى ثورة 30 حزيران، لا أقرأ هذا الحدث بوصفه محطة مصرية داخلية فحسب، وإنما أراه لحظة كاشفة في تاريخ الدولة الوطنية العربية، ظهر فيها بوضوح الفرق بين الدولة حين تكون إطاراً جامعاً للمواطنين، والتنظيم حين يحاول أن يجعل الوطن فرعاً من مشروعه".
ويضيف أن الدولة، في معناها العميق، تقوم على المؤسسات والمواطنة وإدارة التعدد، بينما يسعى التنظيم الأيديولوجي، عندما يصل إلى السلطة، إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤيته الخاصة، بحيث تتحول المؤسسات إلى أدوات، والمواطنة إلى درجات، والوطن إلى مساحة لخدمة مشروع يتجاوز حدوده.
ويرى البشاري أن موقف الإمارات، بقيادة رئيسها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، جاء انطلاقاً من رؤية استراتيجية مبكرة، اعتبرت أن إضعاف مصر أو دخولها في حالة فراغ لن يقتصر أثره على الداخل المصري، وإنما سيترك تداعيات واسعة على الأمن العربي، نظراً إلى مكانة القاهرة في التوازنات الإقليمية.
نموذج أمني يحتاج إلى استكمال فكري
من جانبه، يرى المؤرخ والخبير في سوسيولوجيا الإفتاء وتاريخ الحركات الإسلامية الدكتور عمرو عبد المنعم أن ما قامت به الدولة المصرية "يمثل نموذجاً في التعامل مع حركات الإسلام السياسي"، معتبراً أن أبرز ما ميّز قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي هو "تطوير الرؤية الاستراتيجية بصورة مستمرة، وتحديث الأهداف بما يتناسب مع المتغيرات".
ويقول لـ"النهار": "هناك ميزة كبيرة في رجال 30 حزيران، وعلى رأسهم الرئيس السيسي، وهي أنهم يطورون البعد الاستراتيجي وبنك الأهداف بصورة مستمرة".
ورغم ذلك، يرى عبد المنعم أن هذا النموذج لا يزال يحتاج إلى استكمال على المستوى الفكري، موضحاً أن "الجانب الفكري يحتاج إلى التفاتة. وقد ناشدت الرئيس في لقاءات إعلامية أخيراً استكمال مشروع إحياء فقه الإمام الليث والإمام السيوطي. فبينما وجهت الدولة ضربات قاصمة لجماعة الإخوان، ما أدى إلى انقسامها إلى نحو خمس جبهات متنازعة، لا يزال فكر التنظيم حاضراً داخل المجتمع، ويوفر بيئة لإنتاج عناصر جديدة تغذي حركات الإسلام السياسي. لذلك نحن بحاجة إلى مشروع فكري مصري يواجه هذا الفكر".
ويشير إلى أن نجاح المواجهة الأمنية والتنظيمية لا يغني، من وجهة نظره، عن بناء مشروع ثقافي وفكري طويل الأمد، يعالج الجذور التي تستند إليها التنظيمات الأيديولوجية في تجديد حضورها داخل المجتمع.
انعكاسات إقليمية مستمرة
بدوره، يعتبر النائب السابق في البرلمان المصري هشام الجاهل أن ذكرى 30 حزيران لم تعد مجرد مناسبة وطنية، وإنما تحولت إلى محطة تستحضرها مصر كلما تصاعدت الاضطرابات في محيطها العربي، باعتبارها دليلاً على أهمية الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها.
ويقول لـ"النهار": "ما يشهده المحيط الإقليمي من مآسٍ يظل الشاهد الأكبر على أن مصر والمستقبل العربي نجيا من نفق مظلم كان سيغير وجه المنطقة لعقود طويلة".
ويضيف أن مرور ثلاثة عشر عاماً أتاح قراءة أكثر هدوءاً لنتائج تلك المرحلة، معتبراً أن "ما جرى في 30 حزيران شكّل نقطة تحول استراتيجية في تاريخ مصر والمنطقة"، ورسّخ "أهمية الحفاظ على الدولة المركزية وجيشها الوطني في مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية".
نبض