الركود يحاصر مدن الحدود بين تونس وليبيا... والتجار في مواجهة المجهول

شمال إفريقيا 06-06-2026 | 15:06

الركود يحاصر مدن الحدود بين تونس وليبيا... والتجار في مواجهة المجهول

يشتكي التجار التونسيون من تضييقات كبيرة تُفرض عليهم من الجانب الليبي، ما دفع عدداً منهم إلى البطالة.
الركود يحاصر مدن الحدود بين تونس وليبيا... والتجار في مواجهة المجهول
مسافرون يصطفون لعبور معبر رأس جدير الحدودي بين ليبيا وتونس. (أ ف ب - أرشيف)
Smaller Bigger

تزداد شكاوى التجار وسكان المناطق الحدودية بين تونس وليبيا من تداعيات التشدد المتصاعد على حركة عبور السلع عبر معبر رأس جدير. وفي وقت تؤكد فيه السلطات الليبية أن الإجراءات الجديدة تستهدف مكافحة التهريب وحماية الاقتصاد الوطني، تتصاعد المخاوف على الضفة الأخرى من الحدود من تأثيرها على النشاط التجاري الذي شكّل لعقود أحد أبرز الروابط الاقتصادية بين البلدين.

بعد فترة طويلة من التفكير، قرر بلقاسم التوقف عن التوجه إلى ليبيا لجلب سلع يبيعها لاحقاً لأصحاب محلات في محافظة مدنين جنوب تونس. ويقول لـ"النهار": "لم يعد هذا النشاط مصدر رزق كما كان في السابق".

ويؤكد التاجر التونسي أن ما يواجهه اليوم لم يعد يقتصر على تراجع الأرباح، بل بات يهدد استمرار النشاط نفسه بالنسبة إلى كثير من العاملين في التجارة الحدودية.

تشدد وإجراءات معقدة

وشهدت حركة عبور السلع عبر معبر رأس جدير، أكبر نقطة عبور برية بين تونس وليبيا، تراجعاً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة. ويشتكي التجار التونسيون من تضييقات كبيرة تُفرض عليهم من الجانب الليبي، ما دفع عدداً منهم إلى البطالة.

ويشير بلقاسم إلى أنه أصبح عاطلاً عن العمل بسبب عدم قدرته على إدخال سلع من ليبيا. ويضيف: "أصبح الأمر يشبه مغامرة خطيرة؛ فقد تُحتجز بضاعتك فتتكبد خسارة كبيرة، وقد يصل الأمر إلى حد اعتقالك".

وعلى صفحات وحسابات في موقع "فايسبوك" تُعنى بنقل أخبار المعبر، يشتكي التجار يومياً من الطوابير الطويلة وساعات الانتظار التي تتجاوز أحياناً 72 ساعة، فضلاً عن التعقيدات الإجرائية المصاحبة لها. ويؤكد عدد منهم أن بضائع كانت تعبر سابقاً في يوم واحد قد تستغرق اليوم أياماً عدة  بسبب إجراءات التفتيش والانتظار.

 

زحمة سيارات عند معبر رأس جدير. (اكس)
زحمة سيارات عند معبر رأس جدير. (اكس)

 

تداعيات تتجاوز المعبر

ويمثّل معبر رأس جدير شرياناً اقتصادياً رئيسياً للمدن الحدودية في البلدين، إذ تمر عبره سنوياً مئات آلاف المركبات والمسافرين.

ورغم تأكيد السلطات التونسية والليبية أن الإجراءات الحالية تندرج في إطار مكافحة التهريب وتعزيز الأمن الحدودي وإحكام الرقابة على حركة البضائع والأشخاص، فإن فاعلين اقتصاديين يرون أن تكلفتها الاقتصادية أصبحت مرتفعة بالنسبة إلى المناطق التي تعتمد على التجارة البينية.

ويقول الخبير المختص في الشأن الليبي مصطفى عبد الكبير، لـ"النهار"، إن وتيرة الإجراءات المشددة ارتفعت خلال الأشهر الأخيرة، ما انعكس بصورة مباشرة على حجم المبادلات التجارية بين البلدين.

ويعيش أكثر من 30 مدينة تونسية على مداخيل التجارة مع ليبيا، ما يجعل أي اضطراب في حركة العبور ينعكس مباشرة على النشاط الاقتصادي المحلي.

ولا يقتصر التشدد من الجانب الليبي على الإجراءات الإدارية فحسب، إذ وصلت الأمور في مناسبات عدة إلى حد احتجاز السلع وتوقيف أصحابها. وقبل أسابيع، اعتقلت السلطات الليبية 13 تاجراً تونسياً، ما خلق حالة من الاحتقان في المدينة الحدودية، حيث نظم السكان تظاهرة طالبت السلطات التونسية بالتحرك للإفراج عنهم، قبل أن يُطلقوا لاحقاً بعد تسوية ملفاتهم مع النيابة العامة في صبراتة.

 

اقتصاد الحدود بين مكافحة التهريب ومصادر الرزق

 

ولا تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على الجانب التونسي، فالمدن الليبية الحدودية، كما يؤكد المحلل السياسي خالد السنوسي لـ"النهار"، تأثرت بدورها بتراجع حركة تبادل السلع بين البلدين.

ويقول إن "التجارة الحدودية تشكل النشاط الاقتصادي الأبرز بالنسبة إلى العديد من البلدات الواقعة على جانبي الحدود، وتمثل مصدر دخل أساسياً لمئات العائلات".

ويلفت السنوسي إلى حساسية الملف بسبب ارتباطه بظاهرة التهريب، موضحاً أن "الوقود يمثل السلعة الأكثر تهريباً من ليبيا إلى تونس، وهو ما تعتبره السلطات الليبية أحد أسباب استنزاف الاقتصاد المحلي".

وتؤكد السلطات الليبية أن الإجراءات الجديدة تستهدف الحد من تهريب الوقود والسلع المدعومة إلى الخارج، وحماية الاقتصاد الوطني، وتشدد على أنها لا تستهدف التجارة المنظمة.

وعلى امتداد المدن التونسية الجنوبية ينتشر باعة الوقود بأسعار تقل عن الأسعار الرسمية، غير أن حضورهم تراجع خلال الفترة الأخيرة بالتوازي مع تشديد الرقابة على المعابر.

 

بين الحسابات الاقتصادية والخلفيات السياسية

 

ومطلع الأسبوع الحالي، شرعت السلطات التونسية والليبية في تجسيد الاتفاق التجاري الثنائي للتبادل الحر بين البلدين، الموقّع من اللجنة الجمركية المشتركة التونسية الليبية أواخر أيار/مايو الماضي، والذي كان من أبرز أهدافه مكافحة التهريب والغش التجاري والجرائم الجمركية.

ورغم أن الإجراءات الحالية تُقدَّم رسمياً بوصفها جزءاً من جهود تنظيم التجارة ومحاربة الاقتصاد الموازي، فإن عدداً من النشطاء لا يستبعدون وجود أبعاد سياسية للملف.

ويقول السنوسي إن معبر رأس جدير "استُخدم تاريخياً ورقة ضغط في أكثر من مناسبة، ما جعل ملف العبور والتبادل التجاري يتجاوز أحياناً اعتبارات الاقتصاد البحت".

ويشدد في المقابل على أن الحل الأكثر استدامة يكمن في الإسراع بإنجاز مشروع المنطقة الحرة، ما يسمح بتنظيم المبادلات التجارية وتوفير بدائل اقتصادية مستقرة لسكان المناطق الحدودية، بعيداً من التقلبات التي تشهدها حركة العبور بين البلدين.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 6/7/2026 8:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي يزعم: "تضم الشبكة عدة أنفاق شيدت لاستيعاب مئات المسلحين في الوقت ذاته، وتحتوي على غرف مكوث معدّة للإقامة والقتال لفترات طويلة"...
لبنان 6/6/2026 11:21:00 PM

أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.