معركة "التوطين" تتصاعد في ليبيا... صراع على المهاجرين أم على أوروبا؟

شمال إفريقيا 06-06-2026 | 14:04

معركة "التوطين" تتصاعد في ليبيا... صراع على المهاجرين أم على أوروبا؟

شهدت العاصمة طرابلس احتجاجات أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، رفع خلالها متظاهرون شعار "الترحيل الترحيل... ليبيا لليبيين".
معركة "التوطين" تتصاعد في ليبيا... صراع على المهاجرين أم على أوروبا؟
احتجاج أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في طرابلس رفضاً لما يصفه المشاركون بمشاريع توطين الأجانب في ليبيا. (أ ف ب)
Smaller Bigger

عاد ملف الهجرة إلى صدارة المشهد الليبي خلال الأيام الأخيرة، مع تصاعد حملة سياسية وأمنية وإعلامية ضد المهاجرين، أحيت الجدل بشأن اتهامات بتوطين الأجانب في البلاد. وبينما تنفي الأمم المتحدة وجود أي برامج للتوطين، يرى مراقبون أن المواجهة المتصاعدة تتجاوز ملف المهاجرين بحد ذاته، لتلامس التنافس على إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.

وشهدت العاصمة طرابلس احتجاجات أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، رفع خلالها متظاهرون شعار "الترحيل الترحيل... ليبيا لليبيين"، فيما أغلق محتجون البوابة الرئيسية للمقر بالسواتر الترابية، بالتزامن مع حملة ملاحقات واسعة للمهاجرين في عدد من المدن الليبية.

وكان الجدل المتجدد حيال ملف الهجرة قد اشتعل خلال الأيام الأخيرة عبر حملة على مواقع التواصل الاجتماعي قادها محسوبون على سلطات شرق ليبيا، اتهموا مفوضية اللاجئين ورئيسة بعثتها في ليبيا كارمن صخر بالعمل على "توطين المهاجرين". واستدعى ذلك خروج الأخيرة إلى وسائل الإعلام لنفي تلك الاتهامات.

وتزامن السجال مع تعليمات أصدرها نائب قائد "الجيش الوطني" صدام حفتر بـ"اتخاذ إجراءات فورية لإنهاء مظاهر التواجد غير القانوني للمهاجرين والأجانب" في مدن شرق ليبيا وجنوبها، وضبط المخالفين وغير النظاميين ممن لا يحملون وثائق أو إقامات قانونية.

وتناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل مقاطع مصورة أظهرت مئات المهاجرين وهم يصطفون قرب طائرات مخصصة للترحيل، فيما امتدت الحملة الأمنية لاحقاً إلى مناطق غرب ليبيا، وسط انتشار تسجيلات لعشرات المهاجرين الأفارقة أثناء محاولتهم الفرار من حملات الملاحقة.

 

اتهامات للمفوضية ونفي أممي

يؤكد المستشار القانوني عبد الله الديباني لـ"النهار" أن القانون الدولي "يلزم أي منظمة دولية بإبرام اتفاق مقر تصادق عليه السلطة التشريعية والحصول على التصاريح اللازمة، وهو ما لم يحدث مع مفوضية اللاجئين التي أنشأت مكاتب لها ومقرات احتجاز من دون هذا الاتفاق، بما يمثل تجاوزاً لسيادة الدولة ومخالفة لقوانينها".

ويتهم الديباني المفوضية أيضاً بأنها "عمدت إلى إصدار بطاقات لجوء للمهاجرين في اعتداء على اختصاصات السلطة الليبية"، مشيراً إلى أن القانون الليبي يعتبر كل من دخل البلاد من دون تأشيرة دخول "متسللاً يجب ترحيله". ويضيف أن "مفوضية اللاجئين باتت وكأنها حارس بوابة لمنع تدفق المهاجرين إلى أوروبا".

وفي أعقاب الاحتجاجات التي طالت مقرها في طرابلس، سعت البعثة الأممية للدعم إلى احتواء التوتر. وبعدما أعربت عن قلقها من انتشار ما وصفته بـ"المعلومات المضللة" وخطاب الكراهية المرتبط بعمل الأمم المتحدة، نفت بشكل قاطع تنفيذ أي من وكالاتها، بما فيها مفوضية اللاجئين، برامج لتوطين المهاجرين في ليبيا.

وأكدت البعثة أن المفوضية تعمل بالتعاون مع السلطات الليبية وفي إطار الاحترام الكامل لسيادة البلاد، من أجل إيجاد حلول خارج ليبيا للأشخاص الفارين من الحروب والنزاعات والاضطهاد، بما يشمل الإجلاء إلى دول ثالثة أو العودة الطوعية إلى بلدانهم عندما تسمح الظروف بذلك.

 

متظاهرون ليبيون أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في طرابلس، خلال تحرك طالب بإغلاق مكاتب المفوضية ورفض توطين الأجانب. (أ ف ب)
متظاهرون ليبيون أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في طرابلس، خلال تحرك طالب بإغلاق مكاتب المفوضية ورفض توطين الأجانب. (أ ف ب)

 

صراع على إدارة ملف الهجرة

 

يرى الحقوقي الليبي طارق لملوم، بدوره، أن ما يجري "يتجاوز مسألة التوطين" بحد ذاتها، معتبراً أن جوهر الأزمة "يرتبط بالتنافس على إدارة ملف الهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي".

ويقول لـ"النهار": "بعد سنوات من احتكار حكومة طرابلس لهذا الملف، بدأت بنغازي تدخل بقوة على خط التعاون الأوروبي، بما يحمله ذلك من نفوذ سياسي ومشاريع ودعم مالي".

ويستغرب لملوم تركيز الهجوم على مفوضية اللاجئين مع تجاهل دورها الإنساني، مشيراً إلى أنها "ليست جهة مجهولة أو تعمل في الخفاء، بل تستقبل من قبل مسؤولين في مؤسسات الدولة، وعقدت لقاءات معلنة مع مسؤولين حكوميين، كما تعد شريكاً رئيسياً للهيئة الليبية للإغاثة، وهي جهة حكومية تتبع السلطات في شرق ليبيا".

ويتساءل: "إذا كانت المفوضية تعمل بلا صفة قانونية كما يدعي البعض، فكيف استمرت سنوات في التعاون مع مؤسسات حكومية رسمية؟ وكيف أصبحت شريكاً لهيئات حكومية؟".

ويضيف أن "إنهاء وجود المفوضية لا يتم عبر السواتر الترابية أو الاحتجاجات، وإنما من خلال إنهاء العقود والالتزامات الدولية المرتبطة بها"، معتبراً أن ما يجري "لا يتجاوز كونه محاولة للضغط على الاتحاد الأوروبي بهدف الحصول على مزيد من الأموال والاعتراف السياسي".

 

المهاجرون والاقتصاد في مرمى التصعيد

 

يعتبر لملوم أن المزايدات تحت شعار "رفض التوطين" تتجاهل الأسباب الحقيقية لتكدس المهاجرين داخل ليبيا، مشيراً إلى أن "الجميع يعرف الجهات التي تدير شبكات التهريب وتوفر الحماية لها وتستفيد مالياً من استمرارها".

ويلفت إلى أن آلاف العمال المهاجرين شاركوا خلال السنوات الماضية في أعمال البناء والتنمية، و"استفادت منهم مؤسسات الدولة بصورة مباشرة، بما في ذلك مشاريع مرتبطة بمعسكرات ومقار أمنية وعسكرية".

ومن جهته، يحذر أستاذ الاقتصاد علي الشريف، في حديثه إلى "النهار"، من انعكاسات حملات ملاحقة المهاجرين على الأسواق الليبية التي "تشهد حالة من الشلل"، داعياً إلى وضع آليات قانونية وتنظيمية واضحة لمعالجة أوضاع العمالة الأجنبية.

ويشدد على أن "المطلوب ليس الترحيل العشوائي، وإنما تنظيم السوق والحفاظ على العمالة المنتجة التي تسهم في النشاط الاقتصادي، مع التخلص من العمالة غير المنتجة أو المخالفة للقوانين، والتي لن يترتب على مغادرتها أي أثر سلبي يذكر على الاقتصاد".

أما مدير "مؤسسة ابدأ للدراسات" عبد الله الغرياني، فيشير إلى أن قضية المهاجرين الأفارقة تمتلك جذوراً تاريخية وسياسية تعود إلى سياسة الانفتاح الواسع على القارة الأفريقية التي انتهجها نظام العقيد معمر القذافي، وما رافقها من تدفقات بشرية كبيرة نحو ليبيا.

ويؤكد لـ"النهار" أن معالجة الأزمة تتطلب استراتيجية وطنية شاملة بعيداً من الانفعال والخطابات المتشنجة، تقوم على حماية الحدود، وتنظيم العمالة الأجنبية، وتعزيز التعاون مع دول المصدر والعبور، والتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين لمعالجة جذور المشكلة، مع التمييز بوضوح بين المهاجر واللاجئ، نظراً إلى اختلاف الوضع القانوني وآليات التعامل مع كل منهما.

الأكثر قراءة

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/6/2026 4:58:00 PM
كانت المناسبة مميزة، وتضمنت العديد من اللحظات السعيدة والتقليدية
فن ومشاهير 6/8/2026 12:00:00 PM
تفاصيل مفاجئة حول إلقاء القبض على الإعلامية المصرية جولي أمين داخل إدارة المرور أثناء محاولتها نقل ملكية سيارة تابعة لصبري نخنوخ، وتطورات التحقيقات في القضية.