شهدت بدايات شهر حزيران/يونيو الجاري، سلسلة أحداث ذات صلة بالعلاقات المصرية الآسيوية، تشير إلى دخولها مرحلة أكثر عمقاً وتقارباً بين القاهرة وأهم دول القارة، ما يطرح تساؤلات عما إن كانت مصر قررت تغيير دفتها بعيداً عن الغرب، والاتجاه شرقاً وسط عالم يموج بالمتغيرات ويشي بتحولات بموازين القوى الدولية.
ومن أهم الأحداث، الزيارة اللافتة التي قام بها وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي لليابان، والتي تضمّنت انعقاد الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين القاهرة وطوكيو، ولقاءات مع شخصيات سياسية واقتصادية يابانية بارزة، يومي الأربعاء والخميس.
كذلك، انطلاق الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي المصري-الكوري الجنوبي، الثلاثاء، وتجديد اتفاقية تبادل العملات بين مصر والصين، أخيراً، لثلاثة أعوام إضافية، بقيمة 30 مليار يوان صيني (229.8 مليار جنيه مصري - قرابة 4.43 مليارات دولار أميركي).
خطوة متقدّمة في التوجّه نحو الشرق
وترى عضو الهيئة الاستشارية للمجلس المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية الدكتورة نهى بكر، أنه يمكن قراءة تلك الأحداث باعتبارها خطوة متقدمة، وتقول لـ"النهار" إن "هذا التوجّه نحو الشرق (Eastward Hedging)، هو محور رئيسي في السياسة الخارجية المصرية، حالياً، وليس مجرد انفتاح عشوائي".
وتطرح أستاذة العلوم السياسية نقاطاً عدة لتفسر قراءتها، أولاها أن ذلك التوجه انعكاس لـ"تكتيك تعدد التحالفات، أي الحضور في كل مكان لعدم الخسارة. بدلاً من الاعتماد على قطب واحد (كالغرب)، تتنقل مصر بين القوى الكبرى أميركا، الصين، روسيا، اليابان، كوريا الجنوبية، لتحقيق أقصى استفادة".
النقطة الثانية، تأتي في صيغة سؤال: "لماذا آسيا تحديداً الآن؟"، وتجيب بكر: "اللقاءات ليست مع آسيا كلها، بل مع أقطاب اقتصادية مهمة: اليابان، وكوريا، والصين".
وتقول: "اليابان وكوريا، هما حليفان تكنولوجيان. الهدف استراتيجي طويل المدى. القاهرة لا تطلب قروضاً فقط، بل تطلب مناطق صناعية كاملة في قناة السويس".
ورغم إشارتها إلى أهمية العلاقات بين القاهرة والولايات المتحدة وأوروبا، تلفت الخبيرة السياسية إلى أن ثمة رسائل ضمنية مفادها أن "لدينا بدائل تقنية متطورة، إن لم تسهّلوا لنا الإجراءات".
وتضيف: "الصين، الشريك التجاري، وتمديد مبادلة العملات يهدف لتخفيف أزمة الدولار (التي تواجه مصر). هذا تحرك وقائي ضد الضغوط المالية العالمية، وليس تحولاً أيديولوجياً نحو الشيوعية".
وتلخص بكر الفكرة في أن "هذا تحول ذكي نحو "البراغماتية القصوى"، إذ تتعامل مصر مع آسيا كسوق ومصنع، بينما تحتفظ بعلاقاتها الأمنية والمالية مع الغرب. إنها سياسة "التمدد في كل الاتجاهات" لتأمين أكبر فائدة داخل نظام عالمي متعدد الأقطاب.

علاقات منفتحة على العالم في القلب منها آسيا
من جانبه، يرى الكاتب والباحث السياسي جمال رائف أن توجّه القاهرة صوب آسيا ليس جديداً، "بل هو نتاج جهد ممتد منذ عام 2014”، ويقول لـ"النهار": "مصر منفتحة على العالم، وفي القلب منه آسيا، حيث يوجد شركاء تقليديون، وفي مقدمتهم الصين، واليابان، والهند، وكوريا".
ويضيف رائف: "زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي لآسيا، عام 2018 تجاوزت هذه الدائرة التقليدية وشملت عدداً من الدول الأخرى، في إشارة إلى أن الاهتمام المصري يتجاوز الدائرة التقلدية للشركاء".
ويشير إلى أن "السيسي اعتمد على ديبلوماسية القادة في تعزيز علاقاته مع آسيا، ما قاد لتوسيع دائرة التعاون، ونحن نرى على سبيل المثال التعاون المصري الياباني في مجال التعليم، والتكنولوجيا، والمشروعات التنموية وغير ذلك".
وختتم حديثه: "هذا التعاون انعكس على التوافق بشأن الملفات الإقليمية وتنسيق العمل في المحافل الدولية والإقليمية، في القضايا الحاضرة في أجندة السياسة الخارجية المصرية".
توسيع الشراكة المصرية الآسيوية
بحسب تقرير الحصاد السنوي لعام 2025 الصادر عن وزارة التخطيط والتنمية والتعاون الدولي المصرية، فإن علاقات مصر مع آسيا، ركزت على الاستفادة من الخبرات الآسيوية في التكنولوجيا والتنمية وتوطين الصناعات وبناء القدرات.
كذلك، تم توقيع أول استراتيجية تعاون إنمائي بين القاهرة وبكين للفترة من 2025 إلى 2029. وشمل الحصاد آفاقاً أوسع للشراكة المصرية اليابانية تزامناً مع مرور 70 عاماً على العلاقات بين البلدين.
وأشار إلى استمرار الشراكة الاستراتيجية مع كوريا الجنوبية، والاستفادة من الخبرات في مجال التحوّل الرقمي والتكنولوجيا، إضافة لاستكشاف فرص ومجالات للتعاون والتنمية الاقتصادية مع سنغافورة وفيتنام.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شارك الثنائي لحظات من فرحتهما...
نبض