الزاوية الليبية بؤرة صراع الميليشيات... تنافس على "نصيب الأسد" من الدعم الأوروبي؟
عادت مدينة الزاوية الساحلية غربي ليبيا إلى بؤرة الأحداث الأمنية في البلاد مع تصاعد حدة صراع النفوذ بين الميليشيات التي تسيطر عليها، ومع تزايد حوادث الاغتيال التي أودت بحياة ستة أشخاص خلال عطلة عيد الأضحى فقط، وفق ما وثقته منظمات حقوقية محلية.
تقف عوامل عدة خلف الصدامات المتكررة في الزاوية خلال السنوات الأخيرة. لكن مع تنامي الاهتمام الأوروبي بملف تدفق المهاجرين غير النظاميين من ليبيا، يربط مراقبون بين اشتعال المواجهات أخيراً والرغبة في توسيع مناطق السيطرة على الشواطئ وممرات الهجرة، أملاً في الحصول على نصيب أكبر من الدعم الأوروبي المخصص لهذا الملف.
وفي الوقت الذي حذر فيه تقرير أممي، صدر أخيراً، من أن "التنافس بين التشكيلات المسلّحة على النفوذ والسيطرة للوصول إلى موارد الدولة لا يزال يقوّض الأمن ويضعف مؤسسات الدولة ويغذي الإفلات من العقاب"، وصفت مديرة مكتب المؤسسات الأوروبية في منظمة العفو الدولية إيف غيدي تعاون الاتحاد الأوروبي مع ليبيا في ملف الهجرة بأنه "إفلاس أخلاقي"، معتبرة أن محاولات وقف الهجرة بأيّ ثمن تتجاهل الكلفة الإنسانية والانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون.
الهجرة ليست التفسير الوحيد
لكن الحقوقي الليبي المتخصص في ملف الهجرة، طارق لملوم، يؤكد لـ"النهار" أن الاتحاد الأوروبي "لم يقدم إلى ليبيا تمويلاً نقدياً في ملف الهجرة حتى الآن، وتقتصر مساعداته على الجوانب اللوجستية"، مستبعداً الربط المباشر بين التصعيد الأخير والصراع على حصة من الدعم الأوروبي.
ويقول إن الزاوية تمثل انعكاساً لحالة الانقسام الليبي، إذ تشهد منذ عام 2018 تنافساً بين قوى وقبائل ترتبط بعضها بالسلطة في طرابلس، فيما يحتفظ بعضها الآخر بعلاقات وثيقة مع السلطة الحاكمة في شرق ليبيا. ويرى أن خلفية الصدامات ترتبط بالصراع على مناطق النفوذ والسيطرة على الموانئ والشواطئ وملف المهاجرين.

مدينة استراتيجية وصراع على النفوذ
من جهته، يرى رئيس تجمع الأحزاب الليبية فتحي الشبلي أن فرضية ارتباط التوترات بملف الهجرة "مطروحة لكنها ليست التفسير الوحيد". ويعتبر، في حديث مع "النهار"، أن ما يجري في الزاوية هو نتيجة تداخل الصراع على النفوذ المسلح مع الاقتصاد غير الرسمي المرتبط بالتهريب، في ظل استمرار ضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة.
ويلفت إلى أن الزاوية تعدّ من أهم المدن الساحلية غربي ليبيا، وتضم مرافق استراتيجية تشمل المصفاة النفطية والميناء ومناطق العبور الساحلية، ما يجعل السيطرة عليها مصدراً لمكاسب اقتصادية وأمنية وسياسية كبيرة. كما أن موقعها يمنحها أهمية خاصة في ملفات الطاقة والهجرة والأمن البحري، الأمر الذي يضفي على أي تطور أمني فيها أبعاداً تتجاوز حدودها المحلية.
رسائل تعرقل مسار التسوية
بدوره، يؤكد رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، أحمد حمزة، لـ"النهار"، أن السكان المدنيين يدفعون الثمن الأكبر للعنف المتصاعد، معتبراً أن ما يجري يندرج في إطار صراع النفوذ والهيمنة بين التشكيلات المسلحة، إلى جانب استقطاب بعض الأطراف عناصر مطلوبة للعدالة للمشاركة في النزاعات المسلحة مقابل توفير الحماية لها.
أما الأكاديمي الليبي المتخصص في قضايا الهجرة والتحديات الأمنية، الدكتور يوسف الفارسي، فيربط التصعيد بالمبادرات الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية ودفع العملية السياسية إلى الأمام. ويقول لـ"النهار" إن الميليشيات المستفيدة من استمرار الفوضى تسعى إلى توسيع مناطق نفوذها كلما ظهرت بوادر لحل الصراعات التي تعاني ليبيا بسببها، بهدف توجيه رسائل إلى الداخل والخارج والإبقاء على موازين القوى الحالية.
وبين صراع النفوذ ومصالح التهريب وملفات الهجرة والطاقة، تبدو الزاوية نموذجاً مصغراً للأزمة الليبية، حيث تتداخل الحسابات المحلية والإقليمية والدولية في مدينة تحولت إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية على الساحل الغربي للبلاد.
نبض