الجيش التونسي يخرج عن صمته ببيان نادر... ماذا يجري خلف كواليس الصراع السياسي في تونس؟
أعاد بيان نادر صادر عن وزارة الدفاع التونسية خلال الساعات الأخيرة خلط الأوراق السياسية في البلاد، بعدما خرج الجيش التونسي عن صمته ليؤكد تمسكه بالحياد ورفضه محاولات الزجّ به في التجاذبات الداخلية، في خطوة أثارت موجة واسعة من التساؤلات حول خلفيات التوقيت والرسائل التي أرادت المؤسسة العسكرية إيصالها وسط المناخ السياسي المتوتر في تونس.
وأصدرت وزارة الدفاع التونسية بياناً أشعل جدلاً واسعاً، أكدت فيه التزام الجيش الحياد عن الصراعات السياسية. وقالت إن الجيش التونسي "جيش جمهوري قائم على الانضباط ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، في التزام تام الحياد واحترام لقوانين الدولة والتراتيب العسكرية".
وشددت على رفضها ما وصفته بـ"محاولات متكررة للزج بقياداته في التجاذبات السياسية"، مؤكدة "حياد المؤسسة العسكرية والتزامها بقوانين الدولة".
لماذا اعتُبر البيان غير مسبوق؟
البيان الذي وُصف في تونس بـ"النادر" و"المفاجئ" لم يسمّ الجهات المقصودة بمحاولات الزج بالمؤسسة العسكرية في الصراع السياسي، ما فتح الباب أمام قراءات متعددة، خصوصاً أن المؤسسة العسكرية التونسية تتجنب عادة الدخول في السجالات السياسية أو إصدار مواقف مرتبطة بالأزمة الداخلية.
ويُعد هذا البيان الثالث من نوعه منذ أحداث عام 2011 التي انتهت بإسقاط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، بعدما سبق لوزارة الدفاع أن أصدرت بيانين مشابهين عامَي 2012 و2018 شددت فيهما على التزام الحياد والوقوف على مسافة واحدة من مختلف الأحزاب.
ورأى كثير من المراقبين أن أهمية البيان لا ترتبط فقط بمضمونه، بل أيضاً بالسياق السياسي والاجتماعي الذي صدر فيه، في ظل تصاعد الاستقطاب الداخلي وتزايد الخطاب السياسي المرتبط بمؤسسات الدولة السيادية.
وكتب مستشار الأمن القومي السابق الأميرال كمال العكروت، في تعليق نشره على حسابه في "فايسبوك"، أن البيان "يعكس استشعار المؤسسة العسكرية خطراً داهماً"، مشيراً إلى أن صدور مثل هذه البيانات ليس من تقاليد المؤسسة العسكرية في تونس.
واعتبر أن توقيت البيان يعكس قلقاً من الوضعين السياسي والاجتماعي المتأزمين، ومن محاولات إدخال الجيش في التجاذبات والصراعات السياسية الداخلية.

هل جاءت تصريحات المرزوقي وراء البيان؟
في موازاة ذلك، ربط كثيرون بين بيان الجيش التونسي وتصريحات للرئيس السابق المنصف المرزوقي أثارت بدورها جدالاً واسعاً، بعدما قال في فيديو نشره على حسابه الشخصي إن "الجيش مدعو للعب دوره التاريخي في حماية سيادة الدولة وكرامتها".
ويقول المحلل السياسي خليل الرقيق لـ"النهار" إن البيان جاء في إطار "وضع الأمور في نصابها الصحيح"، بعدما انتشرت خلال الفترة الماضية أخبار وصفها بـ"المغلوطة"، تداولتها صفحات مرتبطة بجهات سياسية، بالتزامن مع دعوات أطلقتها شخصيات تقلدت سابقاً مناصب عليا طالبت المؤسسة العسكرية بالتدخل في الشأن السياسي.
ويضيف أن الجيش التونسي أثبت على مدى عقود أنه "جيش جمهوري ومحايد"، مذكّراً بالدور الذي يقوم به في دعم جهود الدولة والمساهمة في تنفيذ مشاريع تنموية، إلى جانب مهامه الأمنية والعسكرية.
لماذا يتمسك الجيش التونسي بالحياد؟
تاريخياً، ومنذ استقلال تونس، لم يكن الجيش طرفاً في إدارة الحكم، كما لم يُعرف عنه التدخل المباشر في الحياة السياسية، وظل ملتزماً الحياد وقيم الجمهورية.
ومنذ عام 2011 لعب الجيش التونسي دوراً محورياً في حماية مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية والأزمات الأمنية، مع حرصه على عدم تجاوز المهام الدستورية الموكلة إليه، وهو ما عزز مكانته لدى شريحة واسعة من التونسيين.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية أرادت من خلال هذا البيان توجيه رسالة مزدوجة، الأولى إلى القوى السياسية بعدم محاولة استدراج الجيش إلى الصراع الداخلي، والثانية إلى الشارع التونسي للتأكيد أن المؤسسة العسكرية لا تزال متمسكة بعقيدتها التقليدية القائمة على الحياد والابتعاد عن التجاذبات السياسية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
نبض