من 1923 إلى 2014 تعاقبت 8 دساتير بمصر… لماذا؟
خلال القرن الماضي، تعاقبت 8 دساتير على حكم مصر، وهو رقم كبير نسبياً في عرف الأمم المعاصرة، ويحمل دلالات مهمة عن التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي مر بها هذا البلد منذ إقراره أول دستور حديث عام 1923.
ثمة علاقة جلية بين عدد الدساتير والأوضاع السياسية للدول. على سبيل المثال: منذ دستور الثورة الفرنسية عام 1791، وحتى عام 1958، حين تأسست الجمهورية الخامسة (الحالية)، حكمت باريس بـ8 دساتير، لم يبق منها سوى دستور الجمهورية الحالية.
كذلك الحال في الولايات المتحدة، التي تعد من أكثر الدول استقراراً دستورياً، لم تغير دستورها منذ عام 1787.
ينطبق الأمر ذاته على القاهرة، إذ تواكب تغيير الدساتير مع الثورات وتغير أنظمة الحكم وتوجهات القادة السياسيين. وكان للسلطة التنفيذية، يد عليا في صياغة الدستور، حسبما يؤكد مراقبون وسياسيون.
.jpg)
تعاقبت الدساتير وعلاقة السلطة التنفيذية
يفسر مستشار "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية"، وعضو مجلس أمناء "الحوار الوطني"، الدكتور عمرو هاشم ربيع هذا التعاقب بأنه نتاج لتغير النظم الحاكمة وتعدد الهويات السياسية.
ويقول ربيع لـ"النهار": "تباينت نظم الحكم، وتعددت هويات الدولة، فقد كان النظام ملكياً، ثم أصبح جمهورياً، وفي الجمهورية كان النظام تعديداً أو غير تعددي، ومرة تصبح هوية الدولة اشتراكية، وأخرى ترفع شعار الرأسمالية، أو يسيطر عليها التيار الديني".
وعن الآراء التي تعتقد بأن للسلطة التنفيذية تأثير كبير على صياغة الدستور، يشير ربيع إلى أنه "بالطبع كانت السلطة هي الأقوى، والمتحكمة في كل شيء، وهذا بسبب مركزية نظام الحكم".

دساتير ما قبل وما بعد 23 تموز/يوليو 1952
من جانبه، يرى السياسي وعضو البرلمان المصري السابق الدكتور محمد أبو حامد أن الدساتير المصرية، تنقسم لشقين، شق قبل ثورة 23 تموز/يوليو 1952 وآخر بعدها، ويقول لـ"النهار": "يعد دستور 1923 هو الأفضل، من وجهة نظري، لأنه كان نصاً دستورياً مجرداً. أما الفترة التالية لثورة 1952، فقد تأثرت الدساتير بالثورات، وتوجهات السلطة الحاكمة".
ويضيف: "على سبيل المثال: دستور 1956 كان يعبر عن توجهات ثورة 23 تموز/يوليو، ودستور 1958 صيغ من أجل الوحدة مع سوريا، ثم جاء دستور 1964 المؤقت ليخفف من هيمنة النظام، ويقلل مركزية الحكم".
ويواصل السياسي المصري حديثه: "بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، جاء دستور 1971 في عصر الرئيس محمد أنور السادات، وكان تعبيراً عن التوجهات السياسية حينئذ، فقد أدخل الدين كمصدر رئيسي للتشريع، وشكل الدستور "ثورة ناعمة" على الفكر السابق. وقد حدث تعديلان على هذا الدستور عام 2005 و2007، وكان الهدف منهما خدمة الرؤية السياسية للسلطة الحاكمة، في ذلك الوقت".

تعاقب الدساتير والإعلانات الدستورية
يتفق كثيرون مع أبو حامد في أن دستور عام 1923 هو الأفضل، فقد كان للمطالبة بالحرية والاستقلال عن الاحتلال البريطاني، وصاغته لجنة تشكلت من قيادات سياسية وشعبية ودينية ورجال أعمال وغيرهم، عرفت بـ"لجنة الثلاثين".
في عام 1930 ألغي الملك فؤاد الأول الدستور، وصدر آخر يوسع صلاحياته، ثم ألغي دستور 1930، وتقررت العودة لدستور 1923، في عام 1936.
قامت ثورة 1952 وألغت النظام الملكي، وحل مكانه النظام الجمهوري، وصدر إعلان دستوري، ثم دستور 1956. بعد عامين، تأسست "الجمهورية العربية المتحدة"، للوحدة بين مصر وسوريا، فصدر دستور 1958، أعوام قليلة وانهارت الوحدة، وصدر دستور مؤقت عام 1964.
بعد رحيل الرئيس عبد الناصر، وفي عهد الرئيس السادات صدر دستور 1971، ليدشن مرحلة جديدة، وقد استمر إبان حقبة الرئيس محمد حسن مبارك، وحتى تنحيه عن كرسي الحكم عام 2011، فتم تعطيل العمل بالدستور، وصد إعلان دستوري.
إثر التظاهرات الشعبية التي قادت لتنجي مبارك، قفزت جماعة "الإخوان المسلمين" وحلفائها الإسلاميين للسيطرة على السلطة، واستطاعوا، أن يقتنصوا غالبية مقاعد البرلمان، وكرسي الرئاسة، ومن ثم مرروا دستور 2012 المثير للجدل، فيما عرف بـ"غزوة الصناديق".
بعد أقل من عام فقد "الإخوان" مصداقيتهم وتكشفت حقيقتهم، وشعر غالبية المصريين، فخرجت أعداد قدرت بالملايين من المصريين تطالب بـ"إسقاط حكم المرشد"، وقرر الجيش المصري الانحياز لشعبه، وعزل القيادي الإخواني الراحل الدكتور محمد مرسي من منصب رئيس الجمهورية، وتم تعطيل الدستور.
شكلت لجنة لصياغة دستور جديد في 2014، وتم إقراره، ثم أجريت انتخابات رئاسة الجمهورية التي اكتسحها الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي. وهذا الدستور هو المعمول به منذ 12عاماً، وتم تعديله مرة واحدة عام 2019.
نبض