حراك أميركي – أممي يدفع نحو التشريعيات أولاً… ليبيا تقترب من مخرج سياسي؟
تتجه التحركات الأميركية والأممية في ليبيا نحو فصل المسار التشريعي عن الرئاسي، في محاولة لكسر الجمود السياسي وإعادة إنتاج سلطة جديدة وسط استمرار الانقسام بين الشرق والغرب.
يتصاعد الحراك الأميركي – الأممي في ليبيا بحثاً عن مخرج للأزمة السياسية المستمرة منذ أكثر من عقد، وسط مؤشرات إلى اتجاه جديد يقوم على إجراء الانتخابات التشريعية أولاً، وتأجيل الرئاسيات إلى مرحلة لاحقة، في محاولة لكسر الجمود الذي عطّل المسار الانتخابي منذ سنوات.
جاء ذلك بالتزامن مع رفض محليّ واسع لاقتراح تبناه كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس لإعادة هندسة السلطة التنفيذية، ضمن خطة أوسع تهدف إلى توحيد المؤسسات المالية والعسكرية والسياسية. لكن بولس أبدى، رغم ذلك، تفاؤله بإمكان إجراء الانتخابات المعطلة خلال عام.
ورغم أن هذا الطرح بدا مفاجئاً لكثير من الأوساط الليبية، إذ لم تسبقه خطوات تمهيدية واضحة، فإنه يعكس توجّهاً جديداً لإعادة صياغة مقاربة الحل السياسي. وقد برز ذلك خلال اجتماع استضافته تونس برئاسة الموفدة الأممية هانا تيتيه، وجمع ممثلين عن شرقي ليبيا وغربيها، إذ كشفت النقاشات عن اتجاه متزايد للبدء بالانتخابات النيابية وتأجيل الرئاسيات.
التشريعيات أولاً… محاولة لكسر الجمود
تكشف مصادر مطلعة لـ"النهار" تفاصيل اللقاء الثاني لما يُعرف بـ"اللجنة المصغرة"، التي تضمّ أربعة ممثلين عن شرقي ليبيا ومثلهم عن غربيها، بعد أيام من اجتماع عُقد في العاصمة الإيطالية روما. وتقول المصادر إن النقاشات عكست توجهاً يجري العمل على بلورته، يقوم على انتخاب مجلس نواب جديد، وفق القانون الذي جرت بموجبه انتخابات 2014، على أن يُؤجّل الاستحقاق الرئاسي إلى مرحلة لاحقة.
ويصف مؤيدو هذا الطرح الخطوة بأنها "مخرج لأزمة الشرعية" التي تعيشها ليبيا، إذ يُفترض أن يتولى البرلمان الجديد مهمة تعيين حكومة شرعية موحدة، إضافة إلى إدارة النقاش حيال أولوية إجراء الانتخابات الرئاسية أو استكمال المسار الدستوري وتحديد صلاحيات مؤسسات الدولة ونظام الحكم.
لكن اجتماع تونس كشف أيضاً استمرار الخلافات الجوهرية بين الشرق والغرب الليبيين، خصوصاً بشأن إجراء الانتخابات في ظل وجود حكومتين متنافستين. ففي حين يرى ممثلو غربي ليبيا إمكان تنظيم التشريعيات ضمن الواقع الحالي، كما حدث في الانتخابات المحلية العام الماضي، يتمسك ممثلو الشرق بضرورة تشكيل حكومة موحدة تشرف على الانتخابات في مختلف أنحاء البلاد. ومن المقرر أن تُناقش هذه النقطة مجدداً خلال اجتماع مرتقب مطلع الشهر المقبل.

تفاؤل أميركي وتحفظات ليبية
وكان بولس قد تحدث قبل الاجتماع عن "نسبة عالية من التفاؤل" نتيجة التواصل اليومي مع الأطراف الليبية، معتبراً أن هناك "نية إيجابية" للوصول إلى توحيد المؤسسات الليبية، ومشيراً إلى إمكان إجراء الانتخابات نهاية العام الجاري أو مطلع العام المقبل.
ويرى أستاذ القانون الدكتور راقي المسماري أن مبادرة بولس "حرّكت المياه الراكدة" بعد سنوات من الجمود السياسي، معتبراً أن البدء بالتشريعيات يمثل مخرجاً مناسباً لتجديد شرعية السلطة التشريعية وإعادة بنائها. لكنه يشدد، في حديثه مع "النهار"، على ضرورة توافر ظروف تضمن نجاح أيّ عملية انتخابية، وفي مقدمها وجود حكومة موحدة وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، مؤكداً أن إجراء أي انتخابات في ظل الوضع الحالي سيظل محفوفاً بالمخاطر.
بدوره، يؤكد نائب رئيس حزب الأمة أحمد دوغة أن البدء بالاستحقاق التشريعي يمثل "خطوة في الاتجاه الصحيح"، معتبراً أن أزمة الانتخابات منذ 2021 ترتبط أساساً بالرئاسيات لا بالتشريعيات. ويوضح دوغة لـ"النهار" بأن الخلافات بشأن الانتخابات البرلمانية محدودة، فيما ترتبط الرئاسيات بإشكاليات أعقد، أبرزها الانقسام السياسي ونفوذ الميليشيات وعدم ضمان قبول الخاسرين بالنتائج.
حفتر الابن والضمانات الأميركية
يرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد امطيريد، في حديثه مع "النهار"، أن اجتماعات "اللجنة المصغرة" برعاية أممية وضمن المظلة الأميركية تمثل مؤشراً إيجابياً يمكن البناء عليه، مشيراً إلى أن الخطة الأميركية تركّز على توحيد الإنفاق المالي والمؤسسة العسكرية، فيما تماهت البعثة الأممية مع هذا التوجه عبر تشكيل اللجنة التي تضم القوى الفاعلة على الأرض.
لكن السياسي الليبي المقيم في لندن الدكتور رمضان هلاله يعتبر أن طرح التشريعيات أولاً يعكس، في جانب منه، تنازلاً من قيادة "الجيش الوطني"، بعدما تمسكت لسنوات بإجراء انتخابات متزامنة. ويرى هلاله، في حديثه لـ"النهار"، أن ذلك يأتي مقابل ضمانات أميركية بدور رئيسي لنائب القائد العام صدام حفتر في السلطة التنفيذية الجديدة التي يجري العمل على هندستها، مع الحفاظ على نفوذ "الجيش الوطني" في شرقي البلاد وجنوبيها.
ويلفت هلاله إلى أن الأزمة الليبية لا تزال بعيدة من الحل الكامل، خصوصاً مع استمرار رفض قوى رئيسية في غربي ليبيا صعود صدام حفتر إلى واجهة السلطة. كما يشير إلى أن الكتلة السكانية الأكبر تتمركز في الغرب الليبي، ما يعني أن أي انتخابات تشريعية قد تمنح الغرب تمثيلاً أوسع داخل البرلمان الجديد، وهو ما قد يثير مخاوف إضافية لدى معسكر الشرق.
وسط هذا المشهد، تبدو ليبيا أمام محاولة جديدة لإعادة إطلاق العملية السياسية عبر بوابة التشريعيات، لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف المحلية والداعمين الدوليين على معالجة عقدة السلطة التنفيذية والانقسام الأمني، وهي الملفات التي أسقطت كل المبادرات السابقة.
نبض