افتتاح ماكرون والسّيسي جامعة "سنغور": إعادة صياغة الحضور في أفريقيا
يتجاوز حضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مراسم افتتاح مقر "جامعة سنغور" الجديد بمدينة برج العرب في الإسكندرية، رمزية مشاركة قائدين سياسيين في تدشين صرح تعليمي عريق، ويمتد لأبعاد أكثر عمقاً، تتعلق بإعادة صياغة الحضور في أفريقيا.
وتنظر القاهرة للمؤسسة التعليمية التي أُنشئ مقرها السابق بمنطقة المنشية الواقعة في قلب الإسكندرية، عام 1989، كثمرة للشراكة المصرية-الفرنسية-الفرنكوفونية.
أما المقر الجديد للجامعة التي تحمل اسم الأديب والرئيس السنغالي ليوبولد سيدار سنغور، فهو بمثابة نقلة نوعية بالغة الأهمية، إذ يضاعف الطاقة الاستيعابية للمؤسسة التي أهّلت كوادر قيادية أفريقية على مدار 35 عاماً.
الحضور بأفريقيا ارتكازاً على التنمية والتعاون
لمعرفة الأبعاد التي تحملها مشاركة الزعيمين، من المهم النظر للتقارب الكبير الذي شهدته العلاقات المصرية-الفرنسية في السنوات الأخيرة، إذ تم ترفيعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة الرئيس الفرنسي للقاهرة في نيسان/أبريل 2025.
وعززت مصر حضورها بقوة في القارة السمراء، إثر تولى السيسي الحكم عام 2014. وجاء التقدم إثر تراجع مستمر لأكثر من عقدين، بلغ ذروته مع تجميد عضوية القاهرة بالاتحاد الأفريقي عام 2013. وقد توّج الحضور المصري بترؤّس القاهرة الاتحاد عام 2019، لأول مرة منذ تأسيسه في 2002، خلفاً لمنظمة الوحدة الأفريقية.
وشهد الحضور الفرنسي في أفريقيا، أخيراً، تراجعاً لافتاً، خصوصاً بمنطقة الساحل وغرب القارة، وهنا تبرز أهمية الشراكة المصرية-الفرنسية المتصاعدة.
شراكة باريس-القاهرة "حجر زاوية"
يقول الباحث في الفلسفة السياسية بجامعة باريس (نانتير) الدكتور رامي الخليفة العلي لـ"النهار": "لدى فرنسا ركائز عدة للحضور في أفريقيا، منها القوة الصلبة (العسكرية)، والقوة الاقتصادية المتمثلة في الشركات الفرنسية المنتشرة بدول عدة، لا سيما في شمال القارة، هذا بجانب القوة الناعمة، مثل التعليم، والثقافة، والفنون وغيرها".
ويشير الأستاذ الجامعي إلى أن "مصر تشكل حجر الزاوية في العلاقات الفرنسية مع أفريقيا، لذا فإن حضور الرئيس الفرنسي لافتتاح جامعة سنغور، أمر متوقع، خصوصاً أنه يتزامن مع متغيرات تجعل فرنسا تعيد النظر في كثير من الأمور".
وشارك ماكرون السيسي بافتتاح المقر جامعة سنغور، السبت، على هامش زيارته لمصر، قبل أن يتوجه الأحد لحضور قمة "أفريقيا للأمام" في العاصمة الكينية نيروبي، ومنها يتوجه لإثيوبيا ويزور مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا.
ويواصل العلي حديثه: "شهد النفوذ الفرنسي بالقارة تراجعاً، خصوصاً في دول الساحل والصحراء الأفريقية، مالي والنيجر وغيرهما، ما جعل فرنسا تعمد إلى بناء شراكات استراتيجية، وتركز على تعزيز قوتها الناعمة".
ويلفت إلى أنه "مع الخلافات التي تشهدها علاقات فرنسا وأوروبا عامةً مع الولايات المتحدة، فإن باريس ترغب في تقديم نموذج مغاير لواشنطن التي قلّصت إنفاقها على القوى الناعمة، وحدّت من المساعدات الدولية. فرنسا تريد أن تعزز دعمها لهذا المجال لتبني قوتها الناعمة في أفريقيا".

الحضور عبر تعليم الشباب وتعزيز قدراتهم
من جانبه، يرى الباحث المتخصص في الشأن الأفريقي رامي زهدي أن افتتاح مقر الجامعة يعد نقطة انطلاق رئيسية يفهم منها المشهد كاملاً، ويقول لـ"النهار" إنها "خطوة تعكس مساعي الدولة المصرية، منذ 2014، ورغبتها في العودة إلى عمقها الأفريقي، ولا مدخل أفضل من الاستثمار في شباب القارة، من خلال تعليمه وتنمية مهاراته، ما يمنحه قدرة اقتصادية، ويعزز مساهمته في تنمية أوطانه".
وتطرق زهدي إلى زيارته للمقر القديم للجامعة، ومقرها الجديد الذي شهد نقلة كبيرة، معتبراً أن هذه النقلة تعد إشارة على رغبة القاهرة وباريس في تعزيز الحضور في القارة السمراء.
وتوازي مساحة المقر الجديد 10 أضعاف سابقه الذي يقع داخل طوابق عدة في مبنى مساحته قرابة 4 آلاف متر مربع، فيما المقر الجديد بُني على مساحة 42 ألف متر مربع (10 أفدنة)، ويتضمن مبانيَ وتجهيزات حديثة.
وأشار السيسي خلال كلمته بحفل الافتتاح إلى أن المقر الجديد الذي خصصت مصر أرضه، وساهمت في توفير التمويل اللازم له، وفّر فرصة لمضاعفة القدرة الاستيعابية للجامعة.
وتحدث رئيس مجلس إدارة جامعة سنغور الدكتور هاني هلال عن أن نحو 4200 كادر أفريقي قد تخرجوا من المؤسسة التعليمية العريقة، في مجالات التنمية المختلفة، مثل الإدارة، والصحة، والبيئة، وإدارة الأزمات والكوارث.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض