فصل الجنسين في مدارس ليبيا… المتشددون يمسكون بمستقبل التعليم؟
فجّر قرار فصل الجنسين في مدارس غرب ليبيا موجة جدل واسعة، وفتح الباب أمام تساؤلات حساسة بشأن نفوذ التيارات الدينية داخل المؤسسات التعليمية، وما إذا كانت هذه الخطوة تمهّد لتحوّل أعمق في شكل التعليم ومستقبله. وبين من يراه إجراءً لحماية "القيم"، ومن يعتبره مؤشراً على تصاعد التشدد، يجد قطاع التعليم نفسه في قلب صراع يتجاوز الصفوف الدراسية إلى هوية المجتمع نفسه.
بين سيطرة المتشددين... وحماية "القيم"
يوماً بعد يوم، تتجه ليبيا نحو مزيد من التشدد مع تمدد التيارات الراديكالية داخل مؤسسات الدولة وإحكام سيطرتها على مفاصل صنع القرار، ليطال الأمر أخيراً مستقبل عقول بلد يعيش على فوهة بركان.
وعلى أثر تداول مقطع مصوّر على صفحة إحدى المدارس الخاصة لاحتفال طالب وشقيقته الطالبة معاً خلال حفل تكريم، أصدرت وزارة التعليم التابعة للحكومة المركزية قراراً بالفصل بين الجنسين داخل مدارس مدن غرب ليبيا، ما أثار موجة عنيفة من ردود الفعل.

القرار، الذي حمل توقيع وزير التعليم محمد عبدالسلام القريو، عُدّ في إطار "حماية القيم الدينية والوطنية"، ومنع "تجاوزات لا تتماشى مع الأعراف وتعاليم الدين". وقد شمل أيضاً الفصل بين الطلاب والطالبات في المرافق العامة داخل المدارس، مثل الساحات والاستراحات والملاعب، كما تضمن خضوع الأنشطة المشتركة لـ"إجراءات مسبقة"، وتوجيهات تتعلق بالمحتوى المنشور عبر المنصات الرسمية للمؤسسات التعليمية، بما يتوافق مع "الخصوصية الليبية".
ويعتبر الكاتب الليبي أحمد التهامي، في تصريح لـ"النهار"، أن قرار وزارة التعليم "اتُخذ تحت ضغط شارع تمت عملية إشغاله بموضوعات ثانوية غير جدية". ويرى أن "فصل الجنسين ستكون له انعكاسات أخلاقية، إذ سيؤدي إلى خلق اتجاهات شاذة لدى الصبية، وهذه كارثة اجتماعية. ومن الناحية الاقتصادية، يعني بناء آلاف الفصول الجديدة من دون حاجة حقيقية إليها".
لكن التهامي يُقلل من انعكاسات إحكام قبضة المتشددين على مستقبل عقول ليبيا، ويقول: "هم متغوّلون على الخطاب الرسمي الضعيف وعلى المؤسسات منذ العام 2011، الأمر ليس جديداً، لكن الاقتصاد سوف يتكفل تدريجياً بإنهاء هذا التغوّل، فمع نمو الاقتصاد تولد طبقات أكثر قراءة ووعي".
انتقادات حقوقية وتحذيرات من تداعيات أوسع
وبالمثل، يؤكد رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد حمزة لـ"النهار" أن القرار "غير مقبول"، وقد صدر مدفوعاً بضغط من قوى دينية متشددة تمارس الغلو الديني، وتسعى إلى فرض نمط يشبه "حركة طالبان" على المجتمع، لأن هذا النموذج لا يُطبق إلا في الدول التي تعتمد تشدداً دينياً. ويضيف: "المجتمع الليبي وسطي بطبيعته، ويجب عدم التسامح مع قوى تسعى إلى اختطاف البلد تحت شعارات دينية وأخلاقية".
وإذ يرى حمزة أن "التعاطي مع هذه القضايا بطريقة الفصل والعزل وبعيداً من الحلول العلمية لا يعالجها"، يقول إن "الوزير لديه خلل في الأولويات، إذ كان الأجدى له أن يلتفت إلى القضايا ذات الأولوية في قطاع التعليم، وعلى رأسها الاكتظاظ في الفصول، وسوء البنى التحتية، وعدم توافر بيئة مدرسية آمنة نتيجة تصاعد معدلات العنف المدرسي، وتنمية العملية التعليمية وتدريب المدرسين، لا أن يلتفت إلى التشكيك في أخلاق الطلاب الأطفال. وهو أمر لن يُسهم في تحسين العملية التعليمية ورفع مستوى جودتها، بل سيُعيد قطاع التعليم إلى العصور الوسطى".
أزمة تعليم تتجاوز القرار
ولم تفِ حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة بوعودها منذ توليها المسؤولية مطلع العام 2021 بإنشاء 1500 مدرسة، فيما يواجه قطاع التعليم الليبي اتهامات بتعاظم الفساد داخل مؤسساته. وكان آخرها تحقيقات تُجريها النيابة العامة بشأن إهدار ملايين الدنانير في ملف طباعة الكتب المدرسية.
نبض