هل غيّب سجن راشد الغنوشي "العقل المدبّر" لإسلاميّي تونس؟
بعد مرور ثلاث سنوات على إيداع راشد الغنوشي السجن، ومع توالي الأحكام الثقيلة الصادرة بحقه، لا يزال المشهد السياسي في تونس يشهد تداعيات غيابه، خصوصاً داخل التنظيم الذي شكّل لعقود أحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية.
ويواجه الغنوشي (84 عاماً)، زعيم الإسلاميين في تونس الذي اعتُقل قبل ثلاث سنوات، أحكاماً بالسجن على خلفية تهم إرهابية، وصدر الأسبوع الماضي حكم جديد يقضي بسجنه لمدة 20 عاماً.
فراغ قيادي وتحولات داخل النهضة
يُجمع محللون على أن غياب "الأب الروحي" للحركة أحدث تحولات عميقة في بنيتها القيادية وخطابها السياسي، مع اختلاف تقديراتهم بشأن مدى قدرة "حركة النهضة" على التكيّف مع هذا الواقع.
ويقول الأكاديمي والباحث السياسي طارق الكحلاوي لـ"النهار" إن "حركة النهضة"، كغيرها من التيارات الإسلامية، تأسست على فكرة "أمير الجماعة"، لذلك كان دور الغنوشي، وهو أحد أبرز مؤسسيها، محورياً منذ نشأتها.
ويؤكد أن تاريخ الحركة يثبت أن غيابه مؤثر جداً في نفوذها، مشيراً إلى أن وجوده في المهجر قبل عام 2011 جعلها غائبة عن المشهد السياسي التونسي، فيما حوّلتها عودته بعد الثورة إلى أحد أبرز الفاعلين في البلاد.
ويرى الكحلاوي أن الغنوشي، وإن لم يتقلّد مناصب متقدمة داخل الدولة بعد 2011، كان محور صناعة القرار داخل الحركة والمشهد السياسي في تونس، لافتاً إلى أنه "كان العقل المدبّر ومهندس التوافقات السياسية في تلك المرحلة".
لكنه يعتبر أن ذلك خلق حالة اندماج شبه كامل بين الحركة ورئيسها، إلى حد أن محاولات التغيير داخلها باءت بالفشل، وهو ما انعكس سلباً بعد سجنه.

من رمز جامع إلى عنصر خلافي
في المقابل، يرى الكحلاوي أن "المنعرج الحاسم في علاقة الغنوشي بالنهضة كان خلال توليه رئاسة البرلمان، إذ أصبح الهدف الأول للحركة الحفاظ على موقعه بأي ثمن"، ما أدخلها لاحقاً في حالة شلل بعد سجنه، ليقتصر حضورها اليوم على بيانات وتحركات محدودة.
ويتفق المحلل السياسي حسان العيادي مع هذا التقدير، معتبراً أن التيارات الإسلامية في تونس مرّت بعد عام 2011 بمرحلتين مفصليتين: الأولى قبل 25 تموز/يوليو 2021، والثانية بعدها.
ويوضح لـ"النهار" أن الغنوشي فقد جزءاً كبيراً من نفوذه قبل هذا التاريخ، نتيجة الخلافات التي ضربت حركة النهضة وأدت إلى انشقاقات وظهور تيارات إسلامية منافسة، تبنّت خطاباً نقدياً تجاهه وطالبت بإصلاحات داخلية.
ويرى العيادي أن الغنوشي تحوّل، رغم رمزيته التاريخية، إلى عنصر خلافي داخل الحركة، وفقد جزءاً من دعم قواعده، حيث حمّله كثيرون مسؤولية فشلها في الحكم، وطالبوا بإقالته.
بين استعادة الرمزية وتراجع النفوذ
لكن العيادي يشير إلى أن أحداث 25 تموز وما تلاها، وخصوصاً حملة الاعتقالات التي طالت شخصيات إسلامية بارزة، أعادت للغنوشي رمزيته.
ويعتبر أن سجنه أعاد تفعيل خطاب "المظلومية" لدى الإسلاميين، وساهم في توحيد صفوفهم مجدداً، بعدما نشأ شعور بوجود محاولة لإقصائه من الخطاب التضامني مع المساجين السياسيين.
ومع ذلك، يؤكد أن هذا البعد الرمزي لم يُترجم إلى قوة تنظيمية، إذ فقدت الحركة جزءاً كبيراً من حضورها الهيكلي ومصادر تمويلها ونفوذها في الشارع التونسي.
ويشرح أن "الغنوشي كان يدير شبكة تمويل الحركة، ما مكّنها من الحفاظ على تماسكها، فيما الحصار الأمني والقضائي المفروض عليها اليوم قلّص قدرتها على الحركة، رغم استمرار بعض المقربين منه، مثل أفراد عائلته، في أداء أدوار داخلية".
يعكس غياب الغنوشي حجم التحديات التي تواجه الإسلاميين في تونس، بين تأثير رمزي أعاد توحيد صفوفهم نسبياً، وضعف تنظيمي قلّص حضورهم، ما يضع مستقبلهم أمام اختبار فعلي في المرحلة المقبلة.
نبض