البحر المتوسط مقبرة مهاجرين من سواحل ليبيا: منظومة ابتزاز تقودها مافيات والمتورطون كثر
في ظل تصاعد الأزمات السياسية والاجتماعية، وغياب الشعور بالاستقرار الأمني والاقتصادي، تحولت ليبيا إلى معمل تصدير المهاجرين الباحثين عن فرص حياة أفضل، حتى مع تشديد القيود التي تفرضها الدول الأوروبية على الهجرة.
ومنذ مطلع العام الجاري زادت الضغوط على الدول الأوروبية جراء تصاعد مطرد في معدلات الهجرة عبر السواحل الليبية رغم ما تحمله الرحلة من مخاطر وكذلك طلبات اللجوء، وفق ما سجلت منظمات دولية معنية بالملف.
وسجلت المنظمة الدولية للهجرة ما يقرب من 1000 حالة وفاة في البحر المتوسط منذ بداية عام 2026، أغلبهم انطلقت رحلاتهم من السواحل الليبية، في واحدة من أكثر الفترات دموية منذ بدء توثيق الحوادث العام 2014.
وأشارت في تقرير أصدرته قبل أيام إلى أن الأسبوعين الأخيرين من آذار/مارس الماضي، شهدا مصرع أو فقدان ما لا يقل عن 180 شخصاً في خمس حوادث غرق منفصلة، كان آخرها انقلاب قارب قبالة وسط المتوسط بعد مغادرته منطقة تاجوراء في ليبيا وعلى متنه نحو 120 مهاجراً، حيث جرى إنقاذ 32 شخصاً فقط، وانتشال جثتين، فيما لا يزال أكثر من 80 في عداد المفقودين.
كما سُجلت حوادث أخرى، بينها العثور على 19 جثة على متن قارب انطلق من زوارة وانجرف قبالة جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، إلى جانب حوادث قبالة كريت وصفاقس وبالقرب من السواحل التركية.
وأكدت المنظمة أن طريق وسط المتوسط، الممتد من ليبيا وتونس نحو إيطاليا ومالطا، "لا يزال الأخطر عالمياً"، موضحة أن "هذه الإحصاءات لا تعكس حجم الخسائر البشرية التي تقع أثناء الرحلات".
وأرجع خبراء تصاعد الوفيات إلى عوامل عدة، أبرزها سوء الأحوال الجوية، وتشديد القيود على طرق الهجرة البرية، وغياب المسارات القانونية، إلى جانب تزايد استخدام قوارب صغيرة غير آمنة، محذرين من أن قدرات البحث والإنقاذ الحالية غير كافية.
من يتحمل مسؤولية ارتفاع أعداد الضحايا؟
لكن رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا أحمد حمزة يحمل مسؤولية ارتفاع أعداد ضحايا الغرق في البحر المتوسط من المهاجرين على "التضييق على سفن الإنقاذ الدولية من قبل خفر السواحل الليبي وضعف عمليات البحث والإنقاذ من الجانب الليبي وتركيزه على عمليات الصد والاعتراض لقوارب المهاجرين وإعادتهم قسراً"، مشدداً على أن هذا الكم الهائل من أعداد ضحايا قوارب الموت في المتوسط الذي تحول الى مقبرة جماعية للحالمين بالوصول إلى الضفة الأخرى "يتطلب معالجات إنسانية واقتصادية وأمنية عاجلة للحد من تدفقات الهجرة عبر الحدود الليبية، وكذلك تفكيك شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر والقضاء عليها باعتبارهم العامل الأبرز في وقوع هذه الأعداد المتزايدة من الضحايا، كونهم الحلقة الرئيسية التي تسهم في انتقال المهاجرين من أقصي الجنوب الليبي إلى السواحل الليبية والانطلاق عبرها في قوارب الموت إلى المتوسط" .

"انهيار أخلاقي مكتمل الأركان"
ويقول الحقوقي الليبي المتخصص في ملف الهجرة طارق لملوم لـ"النهار": "ما يحدث على طول الساحل الليبي لم يعد يحمل توصيفه كمأساة فقط، بل هو انهيار أخلاقي مكتمل الأركان. فالجثث التي تُقذف إلى الشواطئ من طبرق (شرق ليبيا) إلى الزاوية (غربها) ليست نتيجة صدفة أو سوء حظ، بل نتيجة مباشرة لمنظومة قائمة تدار بوعي، إذ تتحكم مجموعات مسلحة وتشكيلات ذات طابع عسكري بالموانئ والسواحل، وتؤدي أدواراً أمنية يُفترض أنها سيادية، بما في ذلك مهام خفر وأمن السواحل".
ويرى أن تصاعد رحلات الهجرة من هذه النقاط "ليس خللاً، بل جزء من لعبة مكشوفة لخلق ضغط مستمر على أوروبا، وتضخيم الأزمة لابتزاز مزيد من الدعم والتجهيزات". ويضيف: "مع تدفق الدعم الإيطالي عبر تقديم سيارات، ومعدات، وصيانة لمراكز الاحتجاز، تحول الملف إلى ساحة تنافس بين أطراف محلية تسعى لتكريس نفوذها عبر التحكم في مسارات الهجرة، وليس وقفها".
ويتابع: "لم تعد أرواح المهاجرين مجرد ضحايا، بل أصبحت وقوداً لهذه المعادلة يُزج بهم في قوارب متهالكة، بلا أي شروط سلامة، في رحلات يعلم الجميع أنها قد تنتهي بالغرق".
تصاعد طلبات اللجوء الليبية في أوروبا
وبالتزامن رصد المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي اتجاهاً تصاعدياً في معدلات طلبات اللجوء المقدمة من مواطنين ليبيين داخل الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أنه بحسب تقديرات أولية عن العام الماضي تقدم ما بين 3000 إلى 2500 ليبي بطلبات لجوء في أوروبا، فيما بلغ عدد الطلبات العام 2024، 3690، موضحاً أن ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا في مقدمة البدان التي تتلقى تلك الطلبات.
وتعكس هذه الأرقام "استمرار لجوء الليبيين إلى طلب الحماية الدولية عبر مسارات متعددة، حيث يصل بعضهم عبر قوارب الهجرة، فيما يتقدم آخرون بطلب اللجوء بعد دخولهم أوروبا لأغراض علاجية أو دراسية"، وفق لملوم، موضحاً لـ"النهار" أن "الأوضاع الأمنية غير المستقرة، وضغوط المجموعات المسلحة، إضافة إلى البطالة، تمثل أبرز دوافع هذا التوجه... مع الأسف لا توجد أي مؤشرات تعطي للشباب الأمل بأن يسير بلدهم نحو استقرار نسبي، أو أن يكون بإمكانهم بناء مستقبلهم فيه".
نبض