تصعيد أوكراني–روسي يثير القلق... ليبيا على خطّ حرب خفيّة
تشهد ليبيا خلال الأسابيع الماضية تطورات أمنية لافتة تهدد الاستقرار الهش، وسط مخاوف متزايدة من جرّ البلاد إلى حرب بالوكالة. ومع تزايد المؤشرات الميدانية، يُطرح سؤال أساسي: هل دخلت ليبيا فعلاً على خط مواجهة غير معلنة بين أوكرانيا وروسيا؟
معطيات ميدانية تثير الشبهات
تتغذى هذه المخاوف من تقارير عن وجود مئات العسكريين الأوكرانيين داخل مواقع استراتيجية في غرب ليبيا، بالتزامن مع تعرض ناقلة غاز طبيعي مسال روسية لهجوم بطائرة مسيرة أوكرانية الصنع قبالة السواحل الليبية في آذار/مارس الماضي. هذه التطورات دفعت إلى تصاعد التساؤلات حيال احتمال استخدام الأراضي الليبية كساحة عمليات غير مباشرة بين كييف وموسكو، بعيداً عن جبهتهما التقليدية في أوكرانيا.
ويؤكد مؤسس مركز "هيسبيريدس" للأمن والدراسات الاستراتيجية في لندن أسامة الشحومي، لـ"النهار"، أنه تحقّق من وجود عناصر عسكرية أوكرانية "بالتنسيق مع وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي"، في ثلاث نقاط رئيسية: معسكر "اللواء 111" في طرابلس، والكلية الجوية في مصراتة، وقاعدة الزاوية المخصصة للطائرات المسيّرة، والقريبة من مجمع مليتة النفطي.
وبحسب الشحومي، يشمل هذا الحضور خبراء وعناصر تقنية تعمل على تشغيل الطائرات المسيّرة وتحديث منظومات دفاع جوي سوفياتية تعود إلى حقبة معمر القذافي، مشيراً إلى أن هذه التحركات تتم تحت غطاء ديبلوماسي يقوده الملحق العسكري الأوكراني أندري بايوك الذي يدير ملفات ليبيا والساحل الأفريقي.
ساحة صراع أم مبالغة سياسية؟
يرى الشحومي أن "الخطر الأوكراني في ليبيا لم يعد مجرد تحليل، بل بات قائماً على معطيات ميدانية"، معتبراً أن الهدف هو استخدام ليبيا منصة قريبة من المتوسط لاستهداف المصالح الروسية، خصوصاً في قطاع الطاقة، ضمن استراتيجية أوسع لتوسيع النفوذ الأوكراني في أفريقيا وموازنة الحضور الروسي، لا سيما في غرب القارة.
ويضيف أن هذا التحرك "لا يمكن فصله عن دعم أوروبي أوسع"، مشيراً إلى أن فرضية تورط عناصر أوكرانية في استهداف ناقلة الغاز الروسية "تكتسب وزناً مع تراكم المؤشرات". ويرى أن ما يجري، سواء تم بعلم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أو من دونه، يقود إلى نتيجة واحدة: دفع ليبيا إلى مسار خطير يخدم أطرافاً خارجية.
في المقابل، يرفض المستشار العسكري الليبي العميد عادل عبد الكافي هذه الرواية، مؤكداً لـ"النهار" أن "الحديث عن وجود أوكراني واسع يهدف إلى خلق حالة من عدم الاستقرار في الغرب الليبي". كما ينفي نفياً قاطعاً انطلاق الهجوم على ناقلة الغاز من الأراضي الليبية، مشيراً إلى أن "تقرير الفحص الفني يُظهر أن الهجوم نُفذ عن قرب باستخدام طائرات مسيّرة وزوارق انتحارية".
ويضيف أن موقع الهجوم، قبالة السواحل الليبية – المالطية، يقع ضمن مدى الطائرات المسيّرة الأوكرانية التي تصل إلى نحو 2000 كيلومتر، لافتاً إلى أن هذا الاستهداف ليس الأول، بل الرابع من نوعه ضد أهداف روسية في المتوسط.

استقرار هش تحت الضغط
ويشدد عبد الكافي على أن "المنطقة الغربية تخضع لرقابة عسكرية دولية"، ما يستبعد تحويل ليبيا إلى ساحة خلفية للصراع، مؤكداً أن حكومة الدبيبة ترفض الانخراط في أي مواجهة، وتسعى إلى تثبيت الاستقرار تمهيداً للاستحقاقات السياسية.
بين روايتين متناقضتين، تبقى ليبيا أمام معادلة دقيقة: إما احتواء هذه المؤشرات قبل تحولها إلى واقع، أو الانزلاق التدريجي إلى ساحة صراع بالوكالة، في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
نبض