الحوثيون في حرب إيران… هل يمتدّ التّصعيد إلى القرن الأفريقي؟
في ظلّ تصعيد متواصل منذ أكثر من شهر، ومع غياب أي حسم عسكري واضح، بدأت الأنظار تتجه إلى ساحات جديدة قد تمتد إليها شرارة الحرب. في هذا السياق، تقف منطقة القرن الأفريقي على تخوم تحوّل خطير، إذ تبرز كواحدة من المناطق المرشحة لانتقال المواجهة إليها، بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي، خصوصاً مع دخول الحوثيين على خط التصعيد.
جيبوتي "عاصمة القواعد"
يمثّل القرن الأفريقي أحد أكبر تجمعات القواعد العسكرية الأجنبية في العالم. وتُعدّ جيبوتي "عاصمة القواعد العسكرية"، إذ تضم أكثر من 11 قاعدة عسكرية أجنبية، بينها أكبر قاعدة أميركية في أفريقيا، والقاعدة الوحيدة للصين خارج حدودها، إضافة إلى قاعدة يابانية هي الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، ووحدة عسكرية فرنسية تُعد الأهم في القارة. كما تستضيف قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي، إلى جانب قوات دولية مشتركة تعمل ضمن جهود مكافحة القرصنة.
هذا التكدّس العسكري قد يجعل من جيبوتي، ومن القرن الأفريقي عموماً، هدفاً مغرياً في حال توسّع الصراع في الشرق الأوسط، خصوصاً إذا قررت إيران توسيع المواجهة جغرافياً.
كذلك، يزيد وجود "أرض الصومال" الانفصالية الواقعة شمال غرب جيبوتي، والتي بدأت أخيراً في توطيد علاقاتها مع إسرائيل، من تعقيد المشهد، ويضفي بعداً إضافياً على حساسية التوازنات في المنطقة.
استغلال نقاط الضعف
يقول الباحث في الشأن الدولي نزار مقني، لـ"النهار"، إن "إيران تعتمد استراتيجية الحرب اللامتماثلة، القائمة على الالتفاف على الخصم، رغم تفوقه العسكري، عبر استغلال نقاط ضعفه واستخدام أدوات أقل تكلفة لتحقيق أكبر تأثير".
ويضيف أن "طهران تدير حربها وفق منطق الاستنزاف الطويل الأمد، من خلال توسيع رقعة المواجهة، سواء عبر استهداف مناطق حساسة أو توظيف أدوات تكتيكية تُحدث تحولات جيوسياسية، مثل تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من تداعيات على اقتصاد الطاقة العالمي".
ويرى أن فتح جبهات متعددة يخفف الضغط عن إيران، ويحسّن موقعها التفاوضي، ويزيد الضغط على خصومها عبر دفع الرأي العام الدولي إلى رفض الحرب، وهو ما ينعكس في الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى تردد دول عدة في الانخراط في الصراع رغم دعوات الرئيس دونالد ترامب.
نقطة التحول المحتملة
يضع دخول الحوثيين في الأيام الأخيرة على خط التصعيد العسكري منطقة القرن الأفريقي ضمن قائمة المناطق المرشحة للتحول إلى ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تلويح طهران باستهداف المصالح الأميركية أينما وُجدت.
ورغم أن جيبوتي تقع على الضفة المقابلة لمضيق باب المندب، فإن سيطرة الحوثيين على أجزاء من الساحل اليمني تمنحهم القدرة على تعطيل أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ما يهدد سلاسل الإمدادات الدولية.
ويشير مقني إلى أن هذا السيناريو "ليس مستبعداً"، إذ سبق للحوثيين استهداف السفن في هذا المضيق خلال حرب غزة، معتبراً أن أي تصعيد قد يشمل السفن المرتبطة بإسرائيل أو حلفائها، بما ينعكس مباشرة على موانئ القرن الأفريقي وحركتها التجارية.

حلقة وصل… ولكن ليس الآن؟
في سياق التصعيد، لا يُستبعد أن ينقل الحوثيون عملياتهم إلى الضفة الأفريقية، مستفيدين من القرب الجغرافي والتداخل الأمني بين اليمن والقرن الأفريقي، سواء عبر إغلاق المضيق أو استهداف المصالح الأميركية.
ويرى مقني أن الحوثيين يتحولون إلى "حلقة وصل" بين طهران وهذه المنطقة الاستراتيجية، وقد يلجأون إلى "نقل الصراع" إليها إذا تصاعدت المواجهة. إلا أنه يستبعد حدوث ذلك "في المدى القريب"، مشيراً إلى أن الأسابيع الثلاثة المقبلة، وهي المهلة التي أعلنها ترامب لإنهاء الحرب قبل التوجه إلى الكونغرس لطلب تفويض بمواصلتها، "ستكون حاسمة".
ويضيف أن استمرار الحرب "قد يدفع إيران إلى إشعال جبهات إضافية ضمن استراتيجيتها لإدارة الصراع، بما يشمل استخدام شبكة حلفائها التي بنتها منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومنها الحوثيون".
وفي المقابل، لا يُرجّح أن تدفع واشنطن حالياً نحو مزيد من التحشيد العسكري في القرن الأفريقي، إذ لا تزال أولوياتها مركّزة على ساحات أخرى.
نبض