أفريقيا بين الحرب والحياد… سياسة "التوازن الذكي" تحت الضغط
في خضمّ التصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، تجد أفريقيا نفسها أمام معادلةٍ جيوسياسية معقّدة تفرض عليها إدارة ما يُعرف بـ"التوازن الذكي"، عبر حماية مصالحها من دون الانزلاق إلى الاصطفاف مع أيٍ من أطراف الصراع.
تحوّط استراتيجي… بدل الانحياز
تتجلى هذه المعادلة في المواقف الرسمية المتحفظة الصادرة عن عواصم القرار الأفريقية وهياكلها القارية، والتي تميل إلى ما يسميه خبراء العلاقات الدولية "التحوّط الاستراتيجي"، بدلاً من الوقوع في فخّ الانحياز الصريح.
ومنذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، اتسمت مواقف العديد من الدول الأفريقية، وكذلك الاتحاد الأفريقي، بنبرةٍ تدعو إلى خفض التصعيد واعتماد الحلول الديبلوماسية، من دون تبنّي خطابٍ منحاز لأي طرف.
وتبقى جنوب أفريقيا الاستثناء الأبرز، في ظلّ توتر علاقاتها مع واشنطن منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحكم، إذ انتقدت الهجوم الأميركي على إيران. وقال رئيسها إن بلاده "لن تركع أمام القوى الجيوسياسية الكبرى على حساب سيادتها"، واصفاً الحرب بأنها "عدوان إمبريالي وغير مشروع" يهدد الاقتصاد العالمي والأمن الدولي.
قارة في قلب التنافس الدولي
لم تعد أفريقيا قارةً هامشية في التوازنات الدولية، بل تحوّلت، بفعل ثرواتها من المحروقات والطاقة والمعادن، إلى ساحة تنافسٍ بين قوىً كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، إضافةً إلى فاعلين إقليميين مثل إيران وتركيا.
هذا التنافس على النفوذ يفرض ضغوطاً إضافية على الدول الأفريقية، التي تسعى إلى الموازنة بين حماية مصالحها وتجنّب الانخراط في صراعات المحاور، خصوصاً في ظلّ هشاشةٍ داخلية يعانيها بعض الأنظمة نتيجة صراعاتٍ وانقلابات.
تكلفة الحرب… بين الفرص والضغوط
تواجه أفريقيا تداعياتٍ مباشرة للحرب، خصوصاً في مجالات الطاقة والغذاء، ما يدفعها إلى تبنّي سياسة "الحياد المحسوب".
فارتفاع أسعار النفط يشكّل فرصةً لدولٍ منتجة مثل نيجيريا والجزائر، لكنه في المقابل يفرض عبئاً ثقيلاً على اقتصادات دول أخرى تعتمد على الاستيراد الكامل للمحروقات، مثل تونس.
ويرى مراقبون أن تشابك المصالح، بين الاعتماد على المساعدات والاستثمارات الغربية من جهة، والتعويل على المشاريع الصينية من جهة أخرى، يجعل خيار الاصطفاف مكلفاً سياسياً واقتصادياً.
وفي هذا السياق، يقول الخبير في الشؤون الأفريقية رامي زهدي، لـ"النهار"، إن أفريقيا تواجه اختباراً دقيقاً في إدارة توازناتها الاستراتيجية، في ظل تداعيات الحرب التي تجاوزت نطاقها الجغرافي لتؤثر مباشرةً على اقتصاداتها واستقرارها، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد، وإعادة توجيه أولويات القوى الدولية بما يقلّص تدفقات الدعم والاستثمار نحو القارة.

مصالح متشابكة… وهوامش مناورة ضيقة
تعكس المواقف الأفريقية رغبةً واضحة في عدم الانخراط في صراعٍ لا يُعدّ صراعها المباشر، خصوصاً في ظل تكلفةٍ مرتفعة لأي انحياز.
ويشرح زهدي أن الدول الأفريقية ترتبط بعلاقاتٍ متداخلة مع أطرافٍ متعددة في هذا الصراع، تشمل دول الخليج كشركاء اقتصاديين واستثماريين رئيسيين، والولايات المتحدة، وبدرجاتٍ أقل إسرائيل، إضافةً إلى الاتحاد الأوروبي وقوى إقليمية أخرى ذات حضور سياسي وأمني في القارة.
ويضيف: "في المقابل، تسعى هذه الدول، على اختلاف قدراتها وتوجهاتها، إلى الحفاظ على استقرارها الداخلي وتجنّب الانخراط في استقطاباتٍ حادة قد تضرّ بمصالحها البعيدة المدى".
في هذا الإطار، يبرز "التحوّط الاستراتيجي" كخيارٍ عقلاني، لا يعني الحياد السلبي، بل يعكس توجهاً لتنويع الشراكات وتفادي الارتهان لمحورٍ واحد، مع الحفاظ على هامش مناورةٍ يسمح بالتكيّف مع التحولات الدولية.
نهج محفوف بالتحديات
مع ذلك، لا يخلو هذا النهج من تحديات، إذ يتطلب قدرةً ديبلوماسية عالية لإدارة التوازن بين شركاءٍ متنافسين، في ظلّ ضغوطٍ متزايدة قد تدفع بعض الدول إلى اتخاذ مواقفٍ أكثر وضوحاً.
كما أن هشاشة بعض الاقتصادات الأفريقية قد تحدّ من قدرتها على الاستمرار في هذا التوازن، خصوصاً مع تفاقم الأزمات الداخلية.
ويرى زهدي أن هذه المقاربة "تعكس نضجاً متزايداً في السلوك السياسي الأفريقي، إذ تسعى الدول إلى حماية مصالحها عبر المرونة والتوازن، بدلاً من الانخراط في اصطفافاتٍ حادة ضمن نظامٍ دولي متغيّر".
توازن صعب في عالم منقسم
في المحصلة، لا يبدو "التحوّط الاستراتيجي" خياراً ترفياً بالنسبة لأفريقيا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.
لكن في ظلّ عالمٍ يتجه نحو استقطابٍ حاد، قد يصبح الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة، خصوصاً إذا امتدت شظايا الصراع في الشرق الأوسط إلى ما هو أبعد من حدوده الجغرافية، لتطاول القارة التي تحاول البقاء خارج الحرب، من دون أن تنجو بالكامل من تداعياتها.
نبض