47 عاماً من السلام البارد… علاقة صمدت بلا ثقة

شمال إفريقيا 31-03-2026 | 14:14

47 عاماً من السلام البارد… علاقة صمدت بلا ثقة

47 عاماً من السلام بين مصر وإسرائيل… علاقة صمدت رغم كل التوترات، لكن هل ما زالت المعادلة نفسها صالحة اليوم؟ 
47 عاماً من السلام البارد… علاقة صمدت بلا ثقة
من اليمين، رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن والرئيس الأميركي جيمي كارتر والرئيس المصري محمد أنور السادات، خلال توقيع معاهدة السلام في البيت الأبيض، في 26 آذار/مارس 1979. (أرشيف)
Smaller Bigger

لم تكن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، منذ توقيعها في 26 آذار/مارس 1979، قصة مصالحة بقدر ما كانت صيغة لإدارة الصراع من دون إنهائه. بعد 47 عاماً، لا تزال قائمة، لكن العلاقة نفسها بقيت عند الحد الأدنى: لا حرب، ولا ثقة.

 

مرّت الذكرى الـ47 للمعاهدة من دون اهتمام يُذكر في الأوساط المصرية، إلا أن اسمها وحده يعيد طرح أسئلة كبرى حيال سرّ صمودها طوال تلك العقود، وحيال مستقبلها، خصوصاً مع تصاعد توترات غير مسبوقة بين القاهرة وتل أبيب، تجلّت في انخفاض التمثيل الديبلوماسي إلى أدنى مستوياته منذ توقيعها.

 

فمنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في 7 تشرين الثاني/أكتوبر 2023، دخلت العلاقات مرحلة أكثر حساسية.

 

استدعت مصر سفيرها لدى إسرائيل خالد عزمي عام 2024، وتزامن ذلك مع انتهاء مهمة السفيرة الإسرائيلية في القاهرة أميرة أورون. ومنذ ذلك الحين، "تتجاهل مصر طلبات إسرائيل المتكررة لاعتماد أوراق السفير الجديد لها في القاهرة"، بحسب ما أكده مصدر ديبلوماسي مصري لـ"النهار".

 

بالتوازي، لم يقتصر التصعيد على الجانب الديبلوماسي، بل ظهرت مؤشرات ميدانية لافتة، مع تزايد التجهيزات والحضور العسكري المصري في سيناء، وسط اتساع رقعة العمليات الإسرائيلية لتشمل لبنان وسوريا واليمن، إضافة إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية المفتوحة ضد إيران.

 

في هذا السياق الإقليمي المضطرب، تعود الأسئلة الأساسية: لماذا صمد هذا السلام؟ وهل هو فعلاً مستقر… أم أنه لم يُختبر بعد؟

 

الرئيس الراحل محمد أنور السادات وقادة الجيش المصري خلال حرب 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973. (أرشيف)
الرئيس الراحل محمد أنور السادات وقادة الجيش المصري خلال حرب 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973. (أرشيف)

 

 

 

 

 

 

استقرار بلا ثقة… كيف صُمّم السلام؟

منذ البداية، لم تُبنَ المعاهدة على تطبيع كامل، بل على فصل واضح بين الأمن والسياسة، وهو ما يفسّر استمرارها حتى اليوم.

 

يرى المؤرخ المصري وأستاذ التاريخ المعاصر الدكتور شريف يونس أن سر صمود المعاهدة يعود إلى جذور ترسّخت في العقل الرسمي والشعبي، مشيراً إلى أن التوجه لإنهاء حالة الحرب بدأ يتشكّل منذ ما بعد انتهاء الوحدة المصرية-السورية عام 1961، مع تصاعد الحاجة إلى التركيز على التنمية الداخلية.

 

ويقول يونس، لـ"النهار"، إن ما قام به الرئيس الراحل محمد أنور السادات لم يكن طرحاً مفاجئاً، بل ترجمة لقناعة قائمة: "الحرب لا تحقق الهدف منها، فالأرض محتلة، وتكلفة المواجهة ضخمة، وتستنزف طاقة وموارد المصريين، فيما يبقى المجتمع رهينة حالة تعبئة دائمة".

 

هذه الخلفية تفسّر لماذا جاء توقيع المعاهدة استجابة لرغبة رسمية وشعبية بإنهاء الحرب واستعادة الأرض، لكنها تفسّر أيضاً لماذا لم تتحول إلى سلام كامل. إذ بقيت العلاقة محكومة بما يمكن وصفه بـ"السلام الوظيفي". سلام يضمن الأمن، لكنه لا ينتج ثقة، ولا يفتح الباب أمام تعاون حقيقي.

 

لهذا، ظل الرفض الشعبي لإسرائيل قائماً، ولم تتطور العلاقة إلى ما يتجاوز الحد الأدنى.

آخر الحروب… منطق الردع لا التقارب
في المقابل، تبنّت إسرائيل مقاربة مختلفة، لكنها قادت إلى النتيجة نفسها.

 

يقول الخبير في الشؤون الإسرائيلية في "مركز الأهرام" الدكتور سعيد عكاشة إن حرب 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973 شكّلت نقطة تحوّل، إذ أعلن السادات أنها "آخر الحروب"، في وقت بدأت فيه إسرائيل تقتنع بأن "الاستيلاء على أراضٍ جديدة لا يحقق استقراراً طويل الأمد".

 

ويوضح عكاشة، في حديث مع "النهار"، بأن "هذه القناعة انعكست في قرارات الانسحاب من سيناء، ثم غزة، وجنوب لبنان، ما عزز فكرة أن السلام مع مصر ليس خياراً سياسياً فقط، بل ضرورة استراتيجية".

 

أما الخطابات المرتبطة بـ"الأرض الموعودة" و"إسرائيل من النهر إلى البحر"، فيرى أنها "تبقى ضمن إطار المزايدات السياسية لبعض التيارات المتشددة، ولا تعبّر عن توجه استراتيجي فعلي داخل إسرائيل".

ما الذي تغيّر الآن؟
رغم ثبات المعاهدة، فإن البيئة التي تعمل ضمنها تغيّرت جذرياً.

 

الحرب في غزة لم تكن مجرد جولة عسكرية، بل لحظة أعادت توتير العلاقة المصرية-الإسرائيلية بشكل مباشر، خصوصاً مع تعقيدات الملف الحدودي، وضغوط النزوح، وحساسية الدور المصري في الوساطة.

 

بالتوازي، فإن اتساع نطاق العمليات الإسرائيلية إلى أكثر من ساحة، من لبنان إلى اليمن، ووصول المواجهة إلى مستوى إقليمي مفتوح مع إيران، وضع القاهرة أمام مشهد أمني أكثر تعقيداً من أي وقت مضى منذ 1979.
هذا الواقع لا يعني أن المعاهدة على وشك الانهيار، لكنه يعني أنها لم تعد تعمل في بيئة مستقرة كما في السابق، بل تحت ضغط مستمر.

لماذا لم تسقط المعاهدة؟
رغم كل هذا التوتر، لا تزال المعاهدة قائمة، ليس بسبب قوة العلاقة، بل بسبب قوة الوظيفة التي تؤديها.
يمكن تلخيص أسباب صمودها بثلاثة عناصر رئيسية:
1- وظيفة أمنية حاسمة: تمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مكلفة للطرفين.
2- توازن مصالح واضح: مصر تحافظ على استقرار حدودها الشرقية، وإسرائيل تضمن تحييد أكبر جيش عربي.
3- فصل بين الرسمي والشعبي: الرفض الشعبي لا يتحول إلى قرار سياسي.
بمعنى آخر، المعاهدة لا تحتاج إلى ثقة كي تستمر، بل إلى مصلحة متبادلة فقط.

متى يمكن أن تتصدع؟
رغم صمودها، تبقى المعاهدة عرضة للاهتزاز في حال تغيّرت المعادلات الأساسية التي قامت عليها.
ومن أبرز السيناريوات المحتملة:
1- توسع الحرب إقليمياً، خصوصاً إذا دخلت مصر في احتكاك غير مباشر ضمن صراع أوسع.
2- تطور ميداني في سيناء أو على الحدود مع غزة يخرج عن السيطرة.
3- تصاعد ضغط داخلي مصري يفرض إعادة النظر في العلاقة.
4- تغيّر في العقيدة الأمنية الإسرائيلية نحو نهج أكثر تصعيداً.
حتى الآن، لا تتوافر مؤشرات حاسمة على هذه التحولات، لكن البيئة الحالية تجعلها أكثر احتمالاً من أي مرحلة سابقة.

في المحصلة، بعد 47 عاماً، يتضح أن سر صمود معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل لا يكمن في نجاحها، بل في طبيعتها. هي لم تتحول إلى تحالف، ولم تُنتج ثقة، ولم تُنهِ الصراع… لكنها نجحت في مهمة واحدة، وهي منع الحرب.
ولهذا تحديداً، قد تستمر، لا لأنها قوية، بل لأنها مصممة لتبقى عند الحد الأدنى، حيث لا ينهار السلام، ولا يتحول إلى شيء آخر.


 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 3/30/2026 12:30:00 PM
سيشمل التعديل مصلحة النقل المشترك بنفس النسبة المطبقة على النقل العادي لتوحيد السياسات...
دوليات 3/29/2026 11:11:00 PM
قراصنة ينشرون صورة لسارة نتنياهو مع إبستين وسط غموض حول صحتها
لبنان 3/30/2026 1:40:00 PM
مقتل الجندي جاء نتيجة استهداف مباشر بصواريخ من نوع "ألماس"...
لبنان 3/30/2026 4:43:00 PM
تمكن جهاز الأمن العام من توقيف خمسة أفراد من المجموعة التي عملت مع الشخص المذكور، وأحالتهم على القضاء اللبناني الذي يستجوبهم...