هل تمتدّ يد إيران إلى شمال أفريقيا عبر البوليساريو؟
مع استمرار التصعيد في المنطقة، لم تعد المواجهة مع إيران محصورة في ميادين القتال التقليدية، بل امتدت إلى ملفات أكثر تعقيداً وتشابكاً. ففي مجلس الشيوخ الأميركي، برز مقترح قانون يدعو إلى دراسة إمكانية تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، في حال ثبوت وجود تعاون بينها وبين "حزب الله" اللبناني أو جهات إيرانية.
ويأتي هذا التحرّك في سياق تحذيرات متزايدة من سعي طهران إلى توسيع نفوذها خارج الشرق الأوسط وفتح ساحات جيوسياسية جديدة قد تُقحم أطرافاً إضافية في دائرة الصراع.
تحت أنظار الكونغرس
أعاد تصاعد الأحداث في الشرق الأوسط، والحديث عن احتمال تمدّدها إلى مناطق أخرى، ملفّ البوليساريو إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع طرح مشروع قانون داخل الكونغرس الأميركي لتصنيفها منظمة إرهابية على خلفية اتهامها بالارتباط بالحرس الثوري الإيراني و"حزب الله".
وقد دخل المشروع مرحلة جديدة داخل المؤسسات التشريعية الأميركية، بعد انتقاله من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ، حيث تقدم ثلاثة نواب جمهوريين بمبادرة تهدف إلى إطلاق مسار رسمي قد يفضي إلى المصادقة عليه.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة المغربية عباس وردي، في حديثه مع "النهار"، أن طرح هذا المشروع يأتي في إطار محاولة القضاء على "الخلايا النائمة" المرتبطة بإيران، والحد من توسع نفوذ الحرس الثوري وشبكاته المدعومة لوجستياً ومالياً وعسكرياً، خصوصاً في مناطق استراتيجية مثل الساحل الأفريقي. ويعتبر أن تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية من قبل الكونغرس الأميركي "قد يشكل منعطفاً حاسماً في هذا الملف".
ويضيف وردي أن تقارير استخباراتية مغربية وأطلسية تتحدث عن أشكال من التعاون بين إيران والبوليساريو، تشمل دعماً عسكرياً وتدريباً، في ظل تحذيرات من احتمال استخدامها كبوابة نفوذ لطهران في شمال وغرب أفريقيا. وبحسب هذا الطرح، فإن المصادقة على المشروع قد تمثل خطوة استباقية لاحتواء أي تمدد إيراني محتمل في المنطقة.
اتهامات متجددة
في سياق متصل، تحدثت صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير سابق عن قيام إيران بتدريب عناصر من جبهة البوليساريو في الأراضي السورية خلال فترة حكم بشار الأسد، فيما أفادت مصادر بأن السلطات السورية الجديدة اعتقلت عدداً منهم.
ومنذ عام 2018، قطع المغرب علاقاته مع إيران على خلفية هذه القضية. ورغم أن هذه الاتهامات لا تزال محلّ نفي من الأطراف المعنية، وتُناقش في ظل غياب أدلة علنية مستقلة حاسمة، فإن الباحث السياسي المغربي ورئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث رشيد لزرق يؤكد أن "المغرب وجّه اتهامات رسمية لطهران وحزب الله بدعم البوليساريو".

التحكّم في الممرات البحرية
ويحذّر محللون من تنامي الحضور الإيراني في أفريقيا، معتبرين أن طهران قد توظّف جبهة البوليساريو ضمن ما يصفونه باستراتيجية "التحكم في الممرات البحرية". ووفق هذا التصور، فإن الهدف قد يتجاوز الإقليم ليشمل التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق جبل طارق، على غرار حضورها في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب.
وتستند هذه القراءة إلى ما يعتبره أصحابها تشابهاً في أسلوب إدارة النفوذ الإيراني، القائم على دعم حركات محلية ذات طابع سياسي – عسكري وتطوير قدراتها تدريجاً، بما يتيح تحقيق حضور غير مباشر في مناطق بعيدة. ويرى هؤلاء أن أي تقارب محتمل قد يفضي إلى إعادة تشكيل التوازنات في منطقة ظلت تقليدياً خارج دائرة النفوذ الإيراني.
ويقول لزرق، لـ"النهار"، إن "المعطيات المتداولة إقليمياً تشير إلى تنامي الارتباطات بين البوليساريو وأطراف محسوبة على المشروع الإيراني"، ما يفرض، بحسب تعبيره، قراءة استراتيجية دقيقة، "لأن الأمر لم يعد مرتبطاً فقط بنزاع إقليمي تقليدي، بل باحتمال توظيف فاعل مسلح في شمال أفريقيا ضمن منطق الحروب بالوكالة".
ويحذر من أن هذا السيناريو، إذا تعززت مؤشراته، قد يفتح الباب أمام "اختراقات أمنية وعسكرية تهدد استقرار المنطقة، وتتيح لشبكات التسليح والتمويل والتدريب المرتبطة بأجندات خارجية التمدد داخلها".
منطقة على حافة التحوّل
يرى لزرق أن التطوّر الأبرز يتمثل في تزايد قابلية النزاع للاختراق الخارجي منذ إعلان البوليساريو في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 إنهاء وقف إطلاق النار والعودة إلى العمل المسلح، ما يرفع من احتمالات توظيفه ضمن صراعات بالوكالة. ويحذر من أن ذلك "قد يؤدي إلى تصاعد التهديدات على الحدود والممرات التجارية، ويؤثر في توازنات الأمن الإقليمي، ويدفع شمال أفريقيا تدريجاً نحو نموذج قائم على الفاعلين المسلحين بدل الحلول السياسية".
ويخلص إلى أن المنطقة باتت أمام ضرورة رفع مستوى اليقظة الاستراتيجية، ليس فقط لمواجهة تهديد مباشر، بل أيضاً "لمنع تحوّل النزاعات القائمة إلى منصّات لإعادة إنتاج نموذج الشرق الأوسط القائم على الميليشيات والاستنزاف والفوضى الممتدة".
وبعيداً عن جدية هذه المخاوف، تفرض تعقيدات المرحلة على دول شمال أفريقيا قدراً أكبر من الحذر، تفادياً لأي انزلاق قد يفتح الباب أمام صراعات أوسع يصعب احتواؤها.
نبض