إخوان السودان بنية معقّدة ومسار طويل... ما هي أبرز التشكيلات؟
دخل اليوم الإثنين حيّز التنفيذ القرار الأميركي بتصنيف تنظيم "الإخوان" في السودان منظمة إرهابية أجنبية، ما يتيح تجميد الأصول وحظر أيّ دعم مالي أو لوجيستي مرتبط به في داخل الولايات المتحدة. ويستند القرار إلى اعتبارات تتعلق باستخدام العنف ضد المدنيين خلال الحرب في السودان، وإلى نشاط يُنظر إليه كعامل يعرقل مسارات إنهاء النزاع. كما تتضمن حيثياته بعداً مرتبطاً بإيران، إذ تتهم واشنطن الحرس الثوري بتدريب ودعم مقاتلي الجماعة.
في هذا السياق، تبرز أهمية فهم طبيعة هذا التيار وبنيته التنظيمية داخل السودان، إذ لا يمكن اختزال "الإخوان المسلمين" في تنظيم واحد يحمل الاسم نفسه كما هو الحال في بعض الدول العربية، بل إن ما يُعرف بالإخوان هناك هو شبكة تنظيمية وسياسية وأمنية معقدة تشكلت عبر عقود، وامتدت من العمل الدعوي والطلابي إلى الأحزاب السياسية ثم إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية. وقد تبلورت هذه الشبكة أساساً في إطار "الحركة الإسلامية السودانية" التي شكلت النسخة المحلية للفكر الإخواني، وأصبحت لاحقاً المظلة التي خرجت منها معظم الأحزاب والتنظيمات والكيانات المرتبطة بالإسلاميين في السودان.
الجذور التاريخية للإخوان في السودان
تعود بدايات انتشار الفكر الإخواني في السودان إلى أربعينيات القرن الماضي، حين عاد الداعية السوداني جمال الدين السنهوري من مصر متأثراً بأفكار مؤسس الجماعة حسن البنا. وقد بدأ السنهوري بتأسيس أولى الخلايا التنظيمية للإخوان داخل السودان، وسرعان ما انتشرت عشرات "الشُّعب" التنظيمية في عدد من المدن، خصوصاً في الأوساط الطلابية والدعوية.
في الخمسينيات، ومع اقتراب السودان من الاستقلال، شارك الإسلاميون في تأسيس "الجبهة الإسلامية للدستور" التي رفعت شعار إقامة دستور إسلامي للدولة الجديدة. لكن التحوّل الأبرز في تاريخ الحركة جاء في ستينيات القرن العشرين مع صعود المفكر الإسلامي السوداني حسن الترابي، الذي قاد عملية إعادة تنظيم الحركة عبر إنشاء جبهة الميثاق الإسلامي. وقد نجحت هذه الجبهة في توسيع نفوذ الإسلاميين داخل الجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع، وتحولت تدريجياً إلى النواة الأساسية للحركة الإسلامية الحديثة في السودان.
الحركة الإسلامية السودانية وبناء النفوذ السياسي
خلال السبعينيات والثمانينيات تطورت "الحركة الإسلامية السودانية" إلى تنظيم سياسي واسع النفوذ، واستطاعت بناء شبكة تنظيمية عميقة داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما في الجامعات والنقابات والجيش والأجهزة الأمنية. وكان هذا التغلغل أحد العوامل التي مهّدت لانقلاب عام 1989 الذي أوصل عمر البشير إلى السلطة بدعم مباشر من الإسلاميين.
بعد وصولهم إلى الحكم، أعاد الإسلاميون تشكيل الحياة السياسية عبر تأسيس "حزب المؤتمر الوطني"، الذي أصبح الواجهة السياسية للحركة الإسلامية خلال حكم البشير. وقد ضم الحزب عدداً كبيراً من القيادات الإسلامية، التي تولّت مواقع رئيسية في الدولة، مثل علي عثمان محمد طه ونافع علي نافع، وأسهم في إدارة السلطة السياسية والأمنية طوال نحو ثلاثة عقود.
لكن الحركة الإسلامية تعرضت لانقسام كبير عام 1999 في ما عُرف في السودان بـ"المفاصلة"، حين اندلع صراع بين البشير والترابي، انتهى بإقصاء الأخير من السلطة وتأسيسه لاحقاً "حزب المؤتمر الشعبي"، الذي أصبح يمثل جناحاً معارضاً داخل التيار الإسلامي. وعلى الرغم من هذا الانقسام، بقيت شبكات الإسلاميين التنظيمية داخل الدولة مرتبطة إلى حد كبير بالتيار الذي بقي في الحكم.

التنظيمات الإخوانية والأحزاب المرتبطة بها
إلى جانب الأحزاب السياسية، حافظت "الحركة الإسلامية في السودان" على وجود تنظيمات دعوية وتنظيمية تحمل اسم "الإخوان المسلمين" بصورة مباشرة، وإن كانت أقل تأثيراً من التنظيم الذي بناه الترابي. ومن أبرز رموز هذا التيار الصادق عبد الله عبد الماجد، الذي شغل منصب المراقب العام للجماعة في السودان لفترة طويلة، وظل يمثل الامتداد التقليدي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
ومع سقوط نظام البشير عام 2019 دخل التيار الإسلامي مرحلة إعادة تنظيم واسعة، وظهرت محاولات لتجميع القوى الإسلامية في أطر سياسية جديدة، من بينها ما عُرف باسم "التيار الإسلامي العريض" الذي ضم عدداً من القيادات والكوادر المرتبطة بالحركة الإسلامية السابقة.
الكتائب والتشكيلات العسكرية
إلى جانب النشاط السياسي والتنظيمي، ظهرت خلال السنوات الأخيرة تشكيلات مسلحة ذات طابع إسلامي، برزت بصورة خاصة مع اندلاع الحرب السودانية. ومن أبرز هذه التشكيلات "كتيبة البراء بن مالك"، التي برز اسمها بشكل واسع في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بعد إعلان مشاركتها في القتال إلى جانب الجيش السوداني. وتحمل الكتيبة اسم الصحابي البراء بن مالك، ويعكس اختيار الاسم الطابع التعبوي الديني الذي تتبناه هذه المجموعة.
كذلك، ظهرت تشكيلات أخرى مثل "قوات البنيان المرصوص"، التي تستند إلى خطاب تعبوي ديني لتجنيد المتطوعين، إضافة إلى "كتائب الفرقان" التي تُعد شبكة من الوحدات القتالية الصغيرة المرتبطة بأوساط الحركة الإسلامية. وإلى جانب هذه التشكيلات، يبرز أيضاً ما يُعرف باسم "وحدات العمل الخاص"، وهو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى الهياكل السرية التي أنشأتها الحركة الإسلامية داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية منذ عقود.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة من دون الإشارة إلى تجربة "قوات الدفاع الشعبي"، التي أنشأها النظام الإسلامي في بداية التسعينيات، والتي شكلت آنذاك ميليشيا شعبية لتعبئة المدنيين في الحرب الأهلية. وقد لعبت هذه القوات دوراً مهماً في ترسيخ ثقافة التعبئة العسكرية داخل التيار الإسلامي السوداني، وهو ما انعكس لاحقاً في ظهور بعض التشكيلات المسلحة الجديدة.
وعليه، يظهر التيار الإخواني في السودان بوصفه منظومة متعددة المستويات تضم تنظيماً فكرياً وسياسياً وأمنياً وعسكرياً في آن واحد. فـ"الحركة الإسلامية السودانية" تمثل الإطار التنظيمي المركزي، بينما تشكل الأحزاب مثل "المؤتمر الوطني" و"المؤتمر الشعبي" واجهات سياسية لهذا التيار، في حين ظهرت في السنوات الأخيرة شبكات وكتائب مسلحة مثل "البراء بن مالك" و"البنيان المرصوص" و"الفرقان"، إضافة إلى هياكل سرية مثل "وحدات العمل الخاص". وتعكس هذه البنية المركبة خصوصية التجربة السودانية، حيث لم يقتصر نفوذ الإسلاميين على العمل السياسي أو الدعوي، بل امتد أيضاً إلى مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية، ما جعلهم أحد أكثر التيارات تنظيماً وتأثيراً في تاريخ السودان الحديث.
نبض