تداعيات الحرب الإيرانية على مصر تتجلى… "محاكمات عسكرية" للمتلاعبين بالأسعار
مع دخول الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أسبوعها الثاني، بدأت تداعيات الصراع تنعكس بشكل واضح على مصر، خصوصاً من الناحية الاقتصادية، وهو تأثير يتجاوز انعكاسات الحرب الأوكرانية.
وقد حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة من أن الحرب – التي اندلعت يوم 28 فبراير/شباط الماضي – سيكون لها تداعيات على بلده، وأشار بشكل خاص إلى إمدادات الطاقة والغاز وأسعار المنتجات.
وفي خطوة لافتة، وجّه السيسي، أخيراً، بدراسة إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري. وقد بدأت الحكومة في تنفيذ تواجيهات الرئيس بالفعل.
وأعلن رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، يوم الثلاثاء، أنه "في حال ثبوت أية محاولات للتلاعب، أو احتكار السلع، أو إخفائها، ستتخذ الدولة كافة الإجراءات القانونية الرادعة، بما فيها الإحالة إلى النيابة العسكرية".
وتتسم المحاكم العسكرية في مصر بسرعة الفصل في القضايا، كما أنها تحظى بهيبة إضافية في نفوس المواطنين، لأن إحالة المدنيين إليها لا تتم في الغالب إلا عند اتهامهم بأمور تمس الأمن القومي للبلاد.
ما التداعيات؟
وعن التداعيات على مصر، يقول رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية الدكتور رشاد عبده لـ"النهار": "من دون شك كان للحرب تأثيراتها، وخصوصاً على الطاقة، فمصر ليس لديها اكتفاء ذاتي من البترول والغاز، ومن ثم تضطر إلى الاستيراد، والأسعار العالمية، كما نرى، ترتفع بنسب كبيرة".
ويضيف عبده: "ارتفع الغاز حتى الآن بنحو 95 في المئة، والبترول بقرابة 22 في المئة، وثمة توقعات بأن يستمر الارتفاع إلى مستويات أعلى، ولهذا كله تأثير على الدولة، لأن الغاز يُستخدم في توليد الكهرباء والعمليات الإنتاجية، ومن ثم فإن أسعار المنتجات تتأثر".
ويشير الخبير الاقتصادي المصري إلى أن: "السياحة في مصر، التي كانت قد بدأت تشهد انتعاشاً، ستتأثر، لاسيما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول إن العمليات مستمرة ربما لأربعة أو خمسة أسابيع. كما أن إيرادات قناة السويس تأثرت".
وشهدت أعداد السياح انتعاشاً ملحوظاً في العام الماضي، فقد قفزت من قرابة 15.7 مليون سائح في عام 2024 إلى نحو 19 مليون سائح. وثمة تخوفات من أن تتراجع الأعداد في العام الحالي متأثرة بالاضطرابات التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط.
ويلفت عبده إلى تأثر الاستثمارات قائلاً: "مع توتر الأوضاع في المنطقة تهرب الأموال؛ فقد شهدت البورصة عمليات بيع وتخارج، كما أن الأموال الساخنة تشكل أزمة حقيقية، فهي تأتي في أوقات الرخاء بأرقام كبيرة، وتهرب مع التوترات".
ويردف: "هنا يحدث ضغط كبير على العملة الصعبة، في وقت تعاني فيه مصر من أزمة في توفيرها، فالمستثمرون يطلبون تحويل أموالهم من الجنيه المصري إلى الدولار، ما يضغط على احتياطيات النقد الأجنبي ويرفع سعر الدولار".
وشهد سعر صرف الدولار ارتفاعاً ملحوظاً مع اندلاع الحرب الإيرانية، وقفز من قرابة 47 جنيهاً إلى 50 جنيهاً، بنسبة زيادة تبلغ نحو 5 في المئة. وتعتمد القاهرة على استيراد قدر كبير من السلع الاستهلاكية والمواد الخام، ما يضيف عبئاً على أسعار السلع والخدمات ويؤثر في مستويات معيشة المواطنين.
ويرى رئيس المنتدى الاقتصادي المصري أن "ارتفاع الأسعار لا يؤثر فقط على الاستهلاك، بل يؤثر كذلك على التصدير، لأن تكلفة الإنتاج ترتفع، ومن ثم تتراجع التنافسية مع المصدرين في المناطق البعيدة عن الصراعات. وهنا يقل الدخل من العملات الصعبة، ويضاف عبء جديد على سعر الدولار، ومن ثم على الأسعار. وكلما طال أمد الحرب تزايدت تأثيراتها على الاقتصاد والمواطنين".

مرونة سياسية
من جانبه، يرى المحلل السياسي الدكتور عمرو حسين أن "الاقتصاد المصري، رغم ارتباطه بالاقتصاد العالمي، يمتلك قدراً من المرونة نتيجة تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الإنتاج المحلي".
ويقول حسين لـ"النهار": "تسعى القاهرة إلى تعزيز دورها كمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة، خاصة في قطاع الغاز الطبيعي، وهو ما يوفر لها مساحة من القدرة على التعامل مع التقلبات في الأسواق الدولية".
ويضيف: "تلعب القاهرة دوراً محورياً في دعم الاستقرار الإقليمي وخفض حدة التوترات، إذ تعتمد سياستها الخارجية على تشجيع الحوار والحلول الديبلوماسية بديلاً للصراعات العسكرية التي قد تؤدي إلى اتساع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة، كما تنسق مع شركائها الإقليميين والدوليين لدعم جهود التهدئة ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع واسع قد يهدد أمن الطاقة العالمي".
ارتدادات عالمية
وتتوقع الباحثة الاقتصادية الدكتورة سمر عادل أن تأثر واردات الصين من النفط الإيراني والخليجي سينعكس على مصر أكثر مما أثرت الحرب الأوكرانية عليها، كما أن التشديد المحتمل للسياسات النقدية من قبل واشنطن سيكون له تأثيره على القاهرة.
وتقول عادل لـ"النهار": "تعتمد الصين بدرجة كبيرة على النفط الإيراني والخليجي. وإغلاق مضيق هرمز أثر بشكل كبير في تدفقات النفط إلى بكين. وحتى لو حاولت تعويض النقص باستيراد النفط الروسي، فإنها ستتضرر من ارتفاع الأسعار؛ فمن المتوقع أن يصل سعر البرميل إلى 100 أو 120 دولاراً في الفترة القريبة المقبلة، ومن ثم سترتفع تكلفة منتجاتها، وبالتالي تزيد تكلفة الاستيراد على مصر".
وتضيف: "كذلك فإن الارتفاع المتوقع لمعدلات التضخم في الولايات المتحدة قد يدفع واشنطن إلى رفع أسعار الفائدة، وهو ما قد يقود البنك المركزي المصري إلى العودة لسياسات التشدد النقدي ورفع أسعار الفائدة، بعدما كان قد بدأ يخفض الفائدة أو يثبتها. ولهذا تأثيره في تكلفة الاقتراض، ومن ثم الإنتاج والأسعار".
تجنب الضريبة
وقال السيسي، خلال حفل إفطار القوات المسلحة المصرية يوم الخميس، إن القاهرة تحاول القيام بجهود وساطة "مخلصة وأمينة" لوقف الحرب الإيرانية، وحذر من أن استمرارها ستكون له "ضريبة كبيرة".
ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة إثر عملية عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحاول مصر تفادي تداعيات الصراع وتجنب اتساعه ليصبح حرباً إقليمية شاملة، وبذلت في سبيل ذلك مساعي كبيرة.
وبعد حرب غزة تراجعت عوائد قناة السويس بنسبة بلغت 60 في المئة عام 2024، ثم عادت لترتفع نسبياً في العام التالي. وثمة مخاوف حالياً من أن تتراجع تلك العوائد، التي تشكل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، نتيجة الحرب الإيرانية، على الرغم من تأكيد هيئة قناة السويس، قبل أيام قليلة، أن حركة الملاحة تسير بشكل طبيعي.
ولا تزال مصر تحاول، بالتعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين، تلافي تمدد الحرب الإيرانية، لما لذلك من تداعيات كبيرة عليها وعلى دول المنطقة وربما العالم كله.
نبض