"أساطير" إيران تتلاشى... أم نحن بصدد أسطورة جديدة؟
في أعقاب اغتيال المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، السبت الماضي، عاد كتاب صدر قبل أسابيع قليلة بعنوان: "إيران: أساطير الحرب والسياسة والدين… تفكيك الخطاب الإيراني من الداخل"، إلى دائرة الضوء والنقاشات في مصر.
أحد أسباب التركيز على هذا الكتاب تحديداً هو أنه يجيب بعمق عن سؤال مهم لفهم مآلات الحرب التي اندلعت مؤخراً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، خصوصاً بعد اغتيال خامنئي وعدد كبير من قادته، وتزايد التكهنات بانهيار النظام الذي يحكم إيران منذ عام 1979.
السؤال الذي طرحه المؤلف، أستاذ الدراسات الإيرانية الدكتور أحمد لاشين، وحاول الإجابة عنه في سطور كتابه، هو: هل نحن أمام الفصل الأخير من أساطير إيران، أم على أعتاب أسطورة جديدة مثل "السمير غ"؟ و"السمير غ" هو طائر أسطوري يتسم بالخلود، ورد ذكره كثيراً في الميثولوجيا الفارسية.
سبب آخر لعودة الكتاب إلى الأضواء في هذا التوقيت، هو أن مؤلفه متعمق في دراسة صناعة الأسطورة وكيف تتحول إلى نظام حكم عبر التاريخ الإيراني. كذلك، كان لاشين ضمن فريق العمل الأساسي لمسلسل "الحشاشين" الذي يروي قصة حسن الصباح، "صاحب مفتاح الجنة"، قائد أحد أشهر الجماعات الدموية في تاريخ الإسلام، والذي نشأ وعاش في إيران. كما ألف الباحث كتاباً بعنوان: "كربلاء بين الأسطورة والتاريخ… دراسة في الوعي الشعبي الإيراني".

نسج الأسطورة
يقول لاشين لـ"النهار": "من خلال دراستي لخلق الأساطير في إيران، وبحثي المنشور في كتابي الأخير، لمست كيف أن النظام الحالي في طهران بدأ ينسج أسطورة خامنئي بعد اغتياله، ويضفي عليها طبيعة غيبية
ويضيف: "لا ننسى أن خامنئي هو 'نائب الإمام' وفق المذهب الشيعي، ومن ثم فالأرضية الأسطورية موجودة منذ الأساس، منذ عهد آية الله الخميني، وترسخت من خلال شخصيته مع مرور الوقت".
ويعتقد الشيعة في إيران أن المرشد الأعلى، "الولي الفقيه"، هو نائب "الإمام المغيب" (محمد بن الحسن المهدي)، أي أنه يحل محل الإمام لحين ظهوره في آخر الزمان ليملأ الدنيا خيراً وعدلاً.

الحسين الجديد
ويشير لاشين إلى أن "النظام الإيراني يجيد استخدام الأزمات وتحويلها إلى قوة دعم شعبي كبير لصالحه. هذا ما حصل مع قاسم سليماني بعد اغتياله. لكن خامنئي يشكل فرصة عظيمة لم تتح للنظام منذ الحرب العراقية-الإيرانية. سيتحول المرشد الأعلى السابق إلى الحسين الجديد. لذلك، التصور الغربي بأن النظام الإيراني سيسقط باغتيال رأسه ليس صحيحاً، فالنظام لا يسقط بهذه الطريقة".

بكائيات واحتفالات
ربما تفسر تصريحات لاشين مشاهد الحشود الكبيرة التي خرجت إلى شوارع إيران للتعبير عن حزنها، وسط قصف الطائرات والصواريخ، من دون أن تعبأ بالموت.
لكن على الجانب الآخر، هناك مشاهد لم تُغفل: مواطنون إيرانيون يحتفلون بموت خامنئي، يسقطون لافتاته، يحرقون صوره، ونساء يخلعن الحجاب معبرات عن فرحهن بالتخلص من "القمع".
كيف يمكن تفسير تلك المشاهد المتناقضة؟ وأي الفريقين أكثر تأثيراً وتعبيراً عن المجتمع؟
يقول لاشين: "المشهدان موجودان بالفعل، لكن التعاطف أكثر اتساعاً. يمكن تقسيم المتعاطفين إلى قسمين: قسم عفوي، وقسم متواطئ مع النظام الذي يمتلك قدرة هائلة على الحشد. جذور النظام عميقة في المجتمع منذ نحو 50 عاماً، لذا فالقطاع المتعاطف هو الأكبر والأعمق تأثيراً".
ويضيف: "معظم الغاضبين من النظام اعتراضهم متعلق بالأزمة الاقتصادية، أما غياب الحرية فإشكالية يمكن الوصول فيها إلى مقاربة بين النظام والشعب. الأزمة الحقيقية تتعلق بالاقتصاد، وإذا حُلّت، يختفي معظم الغضب".

تشدد أكبر
يرى لاشين أن المرشد المقبل سيكون أكثر تشدداً من سلفه، مشيراً إلى أن الغرب "لا يفهم العقلية الإيرانية".
ويقول: "حين ننظر إلى طريقة صنع الأميركيين لأساطيرهم، نجد شخصيات خيالية مثل 'سوبرمان'. الدولة الحديثة صنعت أبطالها الذين يتميزون بالتفوق على الآخرين. لكن بالنسبة للإيرانيين، بطلهم هو الأحق بحكم العالم من دون منافس".
حاول المؤلف في أحد فصول كتابه إيجاد أرضية مشتركة بين الأسطورة الغربية والإيرانية، لكنه لم يصل إلى قاسم مشترك، فوفق تفسيره: "نظرة الإيرانيين لأبطالهم منفردة، وقد تصل إلى حد العنصرية. هم ولا أحد غيرهم".
ويختتم لاشين حديثه: "المرشد الإيراني المقبل سيكون أكثر تشدداً، لأنه سيتحمل عبء بناء وتنمية أسطورة خامنئي كي تكبر وتسيطر على المشهد الإيراني، ويصبح هو نفسه جزءاً منها. الأميركيون لا يدركون هذا التحول ولا يزالون يعتقدون أن سقوط رأس النظام يعني سقوط النظام كله".
نبض