اتحاد الشغل التونسي في مواجهة صراع مالي وسياسي
بعد عقود طويلة اعتمد فيها على مورد مالي ثابت، يجد الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه اليوم أمام اختبار جديد يمس أحد أعمدة قوته التنظيمية، في ظل علاقة متوترة مع السلطة التنفيذية، وذلك بعد قرار وقف الخصم المباشر لرسوم الاشتراكات من رواتب الموظفين.
وبين من يرى في القرار "احتراماً للقانون" وخطاب نقابي يندد بـ"محاولة تطويق"، يبدأ فصل جديد من الصراع بين المعارضة النقابية والسلطة في تونس، ما يزيد التوتر في ظل مشهد سياسي ونقابي متقلب.
ضربة قاصمة
ورغم عدم صدور أي قرار رسمي يؤكد وقف الخصم المباشر، أعلن عدد من النقابيين أن الحكومة قررت إيقاف آلية الخصم المباشر لرسوم الانخراطات في الاتحاد.
ولأكثر من خمسة عقود، كانت رسوم الاشتراكات تخصم تلقائياً من رواتب الموظفين والأجراء، رغم عدم وجود نص قانوني ينص على ذلك.
ولا تتجاوز قيمة الرسوم الشهرية دولاراً واحداً، لكنها شكلت لعقود أحد أبرز موارد تمويل المنظمة، وجعلت منها أقوى نقابة عمالية في تونس، والجهة الأكثر تأثيراً في كل المسائل النقابية.
ولا توجد معطيات رسمية بشأن عدد المنتسبين إلى الاتحاد، لكن بعض التقديرات تشير إلى نحو مليون منتسب.
قرار عقابي
الخطوة الحكومية الجديدة تزيد من تضييق الخناق على الاتحاد، الذي يعاني من مشاكل متعددة أخيراً، ما يضع نفوذه أمام اختبار جدّي.
ويثير القرار مخاوف بشأن قدرة المنظمة على الدفاع عن حقوق العمال، لكن الأمين العام المساعد للاتحاد فاروق العياري، يؤكد لـ"النهار" أن "هذا القرار لن يثني الاتحاد عن القيام بدوره".
ويأتي القرار في ظل توتر العلاقة بين الاتحاد والسلطة، ما يجعل منه قراراً "يحمل أبعاداً سياسية"، بحسب عدد من النقابيين.
ويضاف إلى ذلك قرار الحكومة بخصوص مفاوضات الزيادة في الرواتب، إذ أقرت زيادة في القطاعين الحكومي والخاص ضمن موازنة 2026، دون الدخول في مفاوضات مع الاتحاد كما هو المعتاد.
ووصف المتحدث باسم الاتحاد سامي الطاهري، في منشور على "فايسبوك"، إيقاف الخصم المباشر بأنه "إجراء سياسي عقابي للاتحاد وللعمال"، مذكّراً بأن حكومة محمد مزالي اتخذت إجراءً مشابهاً عام 1985.
وأضاف أن القرار الجديد سبقته سلسلة إجراءات تضييقية، منها إغلاق باب التفاوض والتراجع عن الاتفاقيات ومحاكمة النقابيين.

معركة سيادية
ومع غياب الخصم الآلي، أصبح تحصيل الاشتراكات رهين المبادرة الفردية للمنخرطين. ورغم إدراكهم أن القرار يمثل ضربة قاصمة للموارد المالية للاتحاد، يقلل بعض النقابيين من تأثيره على نفوذ المنظمة ومكانتها. ويأمل الاتحاد أن تسهم هبّة من أفراده في تعويض النقص المالي ومواصلة الدفاع عن الحقوق.
يقول العياري: "الاتحاد يعوّل على التزام أبنائه الذين أثبتوا دائماً أنهم لن يتخلوا عن منظمتهم".
وسارع النقابيون على مواقع التواصل الاجتماعي لتحويل القرار إلى "معركة سيادة نقابية"، مطلقين حملة واسعة لجمع الاشتراكات مباشرة من القواعد.
وأكد الطاهري أن النقابيين سبق لهم مواجهة قرار مماثل بحملات توزيع الاشتراكات داخل المؤسسات، معتبراً أن "الوسائل التقنية الحديثة تتيح إمكانيات جبّارة لتجاوز القرار السياسي المعادي للعمل النقابي".
المزيد من الأزمات
تراجع نفوذ الاتحاد في الأعوام الأخيرة، خصوصاً منذ إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية عام 2021.
ومنذ ذلك التاريخ، حرص الاتحاد على تجنب المواجهة المباشرة مع السلطة، رغم أنه كان سابقاً لا يتردد في القيام بذلك.
وزادت الأزمات الداخلية من إضعاف موقف الاتحاد، الذي اتُهمت قيادته الحالية بمحاولة الانقلاب على الشرعية.
وينظم الاتحاد مؤتمره الاستثنائي نهاية آذار/مارس المقبل، محاولاً توحيد صفوفه لمواصلة معركة يُرجح أن تتطور في المستقبل.
نبض