اشتباكات داخل معسكر الغرب الليبي… اختبار مبكر لسلطة النمروش
عاد الهدوء إلى بلدة جنزور الساحلية، بعد ليلة دامية عاشتها المنطقة الواقعة غرب العاصمة طرابلس، عقب صدامات مسلحة بين مجموعتين مسلّحتين تتبعان رئاسة أركان قوات الغرب الليبي، هي الأولى من نوعها بعد رحيل رئيس الأركان محمد الحداد على إثر سقوط طائرته عائداً من تركيا.
الاشتباكات التي استُخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بين كتيبتي "137 الساحل الغربي" و"السادسة إسناد"، وسط الأحياء والمناطق السكنية المأهولة بالسكان المدنيين على الطريق الساحلية، تسببت في سقوط عدد من المصابين، بينهم طفل (12 عاماً) برصاصة في داخل منزله، بالإضافة إلى تضرر عدد من منازل المدنيين ومصحة طبية كانت تؤوي مرضى وفرَقاً طبية في داخلها بشظايا القذائف، وفق منظمات حقوقية ليبية.
بعد 24 ساعة من الرصاص والترويع في ضاحية جنزور بالعاصمة الليبية طرابلس، أصدرت رئاسة الأركان التابعة لحكومة الوحدة بيانًا مكتوبًا بلغة مكررة، وكأنها تراقب أحداثًا في قارة أخرى.
— khaled mahmoued (@khaledmahmoued1) February 13, 2026
وبعد يوم كامل على الاشتباكات التي وقعت في جنزور بين كتيبتين تتبعانها مباشرة (137 والسادسة)، تصدر بيانًا… pic.twitter.com/N7Is7F1Djl
أول اختبار للنمروش
بدت هذه الاشتباكات اختباراً لرئيس الأركان الموقت صلاح النمروش، الذي خلف الحداد، ولمدى قدرته على السيطرة على المجموعات المسلحة التي تنضوي تحت رئاسته، كما أعادت تسليط الضوء على الصعوبات التي تواجه الجهود الدولية، وفي القلب منها الأميركية، لتوحيد المجموعات المسلحة في الغرب الليبي تحت رئاسة الأركان، وسط مطالبات حقوقية بالتوسع في إدراج أسماء "أمراء الحرب" ومساعديهم على لائحة العقوبات الدولية.
بدورها، أصدرت رئاسة الأركان بياناً أعقب تدخل ما يُعرف بـ"جهاز مكافحة التهديدات الأمنية" لفض النزاع، تبرأت فيه من المتصارعين، بعدما أدانت بأشد العبارات الأعمال العنيفة، وعدّتها "أعمالاً فردية لا تمثل المؤسسة العسكرية، ويُحاسب مرتكبوها وفقاً لأقصى درجات المساءلة القانونية والعسكرية". وأكد البيان أن ما جرى "يُعد خروجاً صارخاً عن القانون والنظام العسكري، وتجاوزاً خطيراً للأوامر والتعليمات الصادرة بشأن حماية المدنيين وصون الممتلكات العامة والخاصة".
يقلّل المستشار العسكري الليبي العميد عادل عبد الكافي، في حديثه مع "النهار"، من أهمية صدامات جنزور، واصفاً إياها بأنها "حوادث فردية محدودة". ويوضح لـ"النهار" بأن الاشتباكات دارت بين قائد "الكتيبة 137" وقائد "الكتيبة السادسة"، في إطار "الصراع على توسيع دوائر النفوذ في المنطقة، وضمن حالة السيولة الأمنية التي تعاني منها ليبيا"، معتبراً أن الخروقات التي تحدث "نتيجة طبيعية لوجود عناصر لم تخضع للتأهيل داخل منظومة عسكرية منضبطة"، ويرجّح أن "تتجه رئاسة الأركان إلى معاقبة هذه العناصر، وربما فصلها من الوحدات العسكرية التابعة لها".
ويقول عبد الكافي: "في حال توحيد المؤسسات الليبية سيتم فلترة مثل هذه العناصر التي اعتادت على الخروقات وإبعادها نهائياً من الأجهزة الأمنية والعسكرية".

مطالبات بالمحاسبة وتوسيع العقوبات
لكن رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد حمزة يعتبر، بدوره، أن رئاسة الأركان "تتهرب من المسؤولية القانونية، ولا سيما مع عدم تأكيدها على إجراء تحقيق في الأحداث المؤسفة وما تعرض له المدنيون من ترويع وإرهاب مسلح من قبل جماعات مسلحة تابعة لها، وهو ما يعني استمرار الإفلات من العقاب حيال هذه الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي، وغض الطرف عن مرتكبي هذه الجرائم والانتهاكات".
ويرى حمزة، في حديثه مع "النهار"، أن مثل هذه البيانات "لن تحقق عدالة ولا أمناً ولا استقراراً وإنصافاً للضحايا، ولا تنهي الإفلات من العقاب، وإنما هي عبارة عن مسكنات وامتصاص لغضب الشارع الليبي".
وإذ يشدد على ضرورة "محاسبة المتورطين في ارتكاب هذه الانتهاكات والمسؤولين الذين منحوهم الشرعية الصورية والتمويل"، طالب حمزة النائب العام الليبي بـ"فتح تحقيق جاد وشامل في أسباب أعمال العنف التي شهدتها جنزور وضواحيها"، متوعداً بأن "هذه الأعمال الإجرامية لن تمر مرور الكرام ولن يفلت مرتكبوها من العقاب، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم". كما دعا المجتمع الدولي إلى "تحمل مسؤوليته القانونية والإنسانية، وضرورة التوسع في إدراج أسماء أمراء الحرب ومساعديهم على لائحة العقوبات الدولية في مجلس الأمن".
صراع نفوذ وصمت حكومي
أما الناشط الليبي عبد الرحمن فضيل فيتفق مع عبد الكافي في أن اشتباكات جنزور خلفياتها "تنافس متصاعد على النفوذ والسيطرة الأمنية داخل المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية".
ويوضح لـ"النهار" بأن جنزور تكتسب أهمية خاصة لاحتضانها مقار رسمية وشبه رسمية للبعثة الأممية وعدد من البعثات الدولية، ما يجعلها ساحة مركزية في الصراع على النفوذ، ويدفع مختلف الأطراف الليبية إلى بناء كيانات عسكرية وأمنية داخلها لضمان التأثير السياسي والأمني.
ويؤمن فضيل بأن هذه الاشتباكات "تشكل أول اختبار ميداني جدي للفريق النمروش. لكن فشل رئاسة الأركان الجديدة في وقف الاشتباكات، واكتفاءها ببيانات التنديد من دون إجراءات ردعية واضحة، يعكس حالة من الارتباك في اتخاذ القرار، ويزرع الشكوك بشأن قدرتها على إدارة أي تطورات عسكرية مستقبلية أو فرض الانضباط داخل التشكيلات المسلحة".
في المقابل، اكتفت رئاسة حكومة الوحدة الوطنية ووزارتا الدفاع والداخلية بالصمت حيال ما جرى، "ما يعكس غياب السيطرة الفعلية على القوات الموجودة ميدانياً، ويؤكد محدودية نفوذ السلطة التنفيذية على التشكيلات المسلحة"، وفق الناشط الليبي الذي يعتبر أن "هذا الأداء الضعيف ساهم في تعميق حالة الاستياء الشعبي، وعزز فقدان الثقة في قدرة الدولة على حماية المواطنين وضبط الأمن"، مشدداً على أنه "لا يمكن تجاوز هذا المسار إلا عبر توحيد المؤسسة العسكرية، وتفكيك اقتصاد الميليشيات، وإطلاق إصلاح أمني شامل قائم على المهنية والمساءلة، بما يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة وهيبتها".
نبض