لقاء يساريين وإسلاميين في تونس: تقارب براغماتي أم إعادة تقييم؟

شمال إفريقيا 14-02-2026 | 06:25

لقاء يساريين وإسلاميين في تونس: تقارب براغماتي أم إعادة تقييم؟

هل هو لقاء موقت فرضته الظروف السياسية الحالية، أم يعكس مراجعات فكرية عميقة؟
لقاء يساريين وإسلاميين في تونس: تقارب براغماتي أم إعادة تقييم؟
معارضون تونسيون يهتفون ضد الرئيس قيس سعيّد، مطالبين بالإفراج عن السجناء المعارضين. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في مشهد سياسي لطالما اتسم بالاستقطاب الإيديولوجي الحاد، يلفت الانتباه في تونس خلال الفترة الأخيرة تقارب غير مسبوق - ولو في حدوده الدنيا - بين وجوه يسارية علمانية ورموز إسلامية كانوا إلى وقت قريب في خندقين متخاصمين. هذا التقارب يطرح عدة تساؤلات: هل هو لقاء موقت فرضته الظروف السياسية الحالية، أم يعكس مراجعات فكرية عميقة؟

تحركات مشتركة
في الأيام الماضية، نظمت "جبهة الخلاص"، التي تضم "حزب النهضة" وعدداً من الأحزاب والشخصيات المعارضة، ندوة فكرية شارك فيها عدد من الأسماء المحسوبة على اليسار. أثار الحدث ضجة واسعة وانتقادات من الأصوات العلمانية واليسارية المعادية للإسلاميين، التي ذكّرت بـ"العداوة التاريخية مع الإخوان"، مشيرة إلى ما دفعه اليسار ثمناً لذلك اغتيالات سياسية وأحداث عنف، شهدتها تونس بعد ثورة 2011 خلال حكم "النهضة".

خصومة تاريخية
تاريخياً، لم تكن العلاقة بين اليسار التونسي والإسلاميين علاقة تحالف أو حتى حياد. منذ سبعينيات القرن الماضي، تشكّل الطرفان في سياق صراع واضح: اليسار المتجذر في تقاليد نقابية وعلمانية، والإسلاميون الذين نشأوا في مواجهة ما اعتبروه "تغريب الدولة والمجتمع".
لكن هذه ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها التياران؛ فقد حدثت مثل هذه اللقاءات قبل وبعد 2011، إلا أن هذه التقاطعات الظرفية غالباً ما تتلاشى مع تغيّر موازين القوى أو عودة التنافس الانتخابي.

 

مشاركون في الندوة التي نظمتها جبهة الخلاص التونسية. (فايسبوك)
مشاركون في الندوة التي نظمتها جبهة الخلاص التونسية. (فايسبوك)

 

المنعطف الحاسم
يعتقد عدد من المحللين بأن المنعطف الحاسم في علاقة الإسلاميين باليسار جاء مع قرارات الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز/ يوليو 2021، التي أخرجت أغلب القوى السياسية، على اختلاف مرجعياتها، من دوائر التأثير.
في هذا السياق، بدأت لغة جديدة تتسلل إلى الخطاب السياسي، تتبنى الدفاع عن الحريات واستقلال القضاء والحق في الاختلاف السياسي، وهي شعارات رفعتها قوى يسارية وإسلامية معاً في بيانات مشتركة، وأحياناً في ساحات احتجاج واحدة.
ويرى عضو "جبهة الخلاص" رياض الشعيبي أن "بعض المواقف الرافضة للتقارب لا تعكس اختلافاً في التقدير السياسي بقدر ما تُعبّر عن ذهنية إقصائية لا تزال أسيرة منطق الفرز الإيديولوجي والاستعلاء الفاشي".
وفي حديثه مع "النهار"، يؤكد الشعيبي أن "اللحظات التاريخية الحرجة لا تُقاس بنقاء الشعارات، بل بقدرتها على بناء أرضيّة مشتركة للدفاع عن الحرية والديموقراطية". ويضيف: "تحويل الاختلاف الفكري إلى قطيعة سياسية لا يخدم إلا المشاريع التي تتغذّى من تشتّت قوى المعارضة وعجزها عن إدارة التعدد في داخلها".
ويشدد على أن استدعاء الخطابات القديمة لا يهدف إلى النقد أو المحاسبة بقدر ما يسعى إلى "إشاعة التفرقة داخل الصف الديموقراطي"، مؤكداً أن الديموقراطية لا تُبنى بتحالف المتشابهين فقط، بل بقدرة المختلفين على الالتقاء حول الحد الأدنى الوطني.

براغماتية موقتة
لكن المبالغة - بحسب مراقبين - لا ينبغي أن تجد محلاً في قراءة هذا التقارب، إذ لا توجد مؤشرات قوية على مراجعات إيديولوجية عميقة لدى أيّ من الطرفين. فاليسار لم يتخلّ عن نقده الجذري لمشروع الإسلام السياسي، والإسلاميون لم يعيدوا تعريف علاقتهم بالدين والدولة بما يرضي خصومهم التاريخيين. ومن هذا المنظور، يبدو التقارب أقرب إلى تحالف فرضته الضرورة.
ويشير أستاذ التاريخ في الجامعة التونسية عبد الجليل بوقرة إلى أن اليسار التونسي ظلّ عرضة للملاحقات والمحاكمات والأحكام السجنية في عهد الدولة المستقلة، بدءاً من محاكم الحبيب بورقيبة الاستثنائية التي اجتثّت اليسار، وصولاً إلى تراجع حضوره في الفضاء العام منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ويضيف بوقرة، في حديثه مع "النهار"، أن "تحولات عقائدية شهدتها الحركة الشيوعية العالمية، ولا سيما بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، دفعت بعض اليساريين إلى النظر بتعاطف لفكرة تحالف الشيوعيين مع الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي"، على غرار ما دافعت عنه الأطروحة الألبانية حيال "لاهوت التحرير" في أميركا اللاتينية.

ويؤكد أن بعض اليساريين التونسيين تبنوا هذا المنحى، فتقاربوا مع الإسلاميين، متناسين أن الحركات الإسلامية في العالم العربي، على عكس "لاهوت التحرير"، نشأت غالباً بدعم غربي، ما ساهم في تراجع تأثير اليسار في تونس وتركيزه على "الحريات العامة" على حساب المسألة الوطنية.
ويختم بوقرة بأن "اليسار فقد جزءاً من أنصاره المتمسكين بالقضية الوطنية، ولم يتمكن من كسب أنصار الإسلاميين الذين لا يدافعون عن الحريات إلا عندما يكونون خارج الحكم".
وبين اختلاف القراءات، يبقى السؤال مطروحاً: هل يستطيع هذا التقارب الصمود والتأثير عند أول اختبار سياسي حقيقي؟

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 2/13/2026 4:28:00 PM
وزير الاقتصاد: "في مواسم الصيام، تتجدّد معاني التضامن والتكافل التي يقوم عليها مجتمعنا"
دوليات 2/12/2026 11:14:00 PM
امرأة خمسينية تعترف بوضع رضيعين في مجمّد منزلها شرقي فرنسا… والسلطات تفتح تحقيقاً بتهمة قتل قاصرين.
سياسة 2/13/2026 7:00:00 AM
صباح الخير من "النهار"... إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الجمعة 13 شباط / فبراير 2026.
مجتمع 2/12/2026 3:49:00 PM
ماذا قال أحمد الأسير عن فضل شاكر؟