سُمّ في رئة السودان

كتاب النهار 06-02-2026 | 08:43

سُمّ في رئة السودان

 العدالة المتأخرة نوعٌ من الظلم، والعدالة لضحايا الكيماوي في السودان لم تعد خيارًا، بل ضرورة.
سُمّ في رئة السودان
أعمدة الدخان منبعثة من ميناء بورتسودان بعد غارة نفتها مسيرة، 6 مايو 2025. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في الوقت الذي تشتعل فيه الأرض السودانية بنيران الصراع التقليدي، وبينما تنشغل الآلة العسكرية بحصد الأرواح عبر الرصاص والقذائف، كشف التحقيق الاستقصائي الأخير لقناة سكاي نيوز عربية عن فصلٍ هو الأكثر قتامة في هذه الحرب الدموية العنيفة. فصلٌ يتجاوز حدود المواجهة العسكرية، ليلامس تخوم “الإبادة الصامتة” عبر استخدام السلاح الكيماوي المحرَّم دوليًا.

التقرير الذي عرضته القناة أمس الأوّل لم يكن مجرد عمل صحفي لرصد انتهاكات الحرب، بل كان صرخةً مدوّية في وجه ضميرٍ عالمي يبدو أنه اختار الصمت المطبق إزاء انتهاكاتٍ تجاوزت كل الخطوط الحمراء.

فمن شمال دارفور إلى جنوب وغرب كردفان، ومن وسط السودان إلى قلب العاصمة الخرطوم، تواترت شهادات الضحايا لتؤكد أن “الهواء” الذي كان مصدر الحياة تحوّل، بفعل فاعل، إلى “حكم بالإعدام”.

نقل التحقيق صورًا ومشاهد تدمي القلوب؛ أجساد أطفال ونساء تحمل ندوبًا كيميائية لا تخطئها العين، وتقارير طبية تتحدث عن أعراض غامضة تبدأ بضيقٍ حاد في التنفس، وتنتهي بتلف الأعصاب أو الوفاة المفاجئة.

شهادة الشاب فتح الرحمن الصادمة، وقد ظهر متضخم الرقبة وهو يحكي مأساته ومأساة فقده أفرادًا من عائلته بعد سقوط أجسامٍ تشبه البراميل انبعثت منها أدخنة خانقة، هي تجسيد حيّ لمأساة شعبٍ يُقتل بدمٍ بارد بعيدًا عن صخب المدافع.

لم يكتفِ التحقيق بالشهادات العاطفية، بل استند إلى آراء خبراء دوليين ومحققين في جرائم الحرب، مثل جانكال زاندريس وستيفان كوفاس، اللذين أكدا أن المؤشرات السريرية والوثائق الطبية المسرّبة تشير بوضوح إلى استخدام غازاتٍ سامة، يُرجّح أنها غاز الكلور، وهو سلاح يُصنَّف استخدامه في النزاعات المسلحة كجريمة حرب مكتملة الأركان وفق ميثاق روما الأساسي واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي صادق عليها السودان عام 1999.

إن اتهام الجيش السوداني، ومن خلفه العناصر الأيديولوجية المتحكّمة في قراره، باستخدام هذا السلاح ليس مجرد ادعاءٍ مرسل، بل هو تعزيز لتقارير دولية سابقة أكدت استخدام هذه الأسلحة في دارفور وجبال النوبة.

وما يزيد من خطورة الموقف هو رفض سلطات بورتسودان التعاون مع لجان تقصّي الحقائق الدولية، ما يضعها في موقف المتهم الذي يحاول طمس معالم الجريمة خلف جدارٍ من الإنكار.

إن ما كشفه هذا التحقيق يضع المجتمع الدولي أمام اختبارٍ أخلاقي وقانوني عسير. فالتنديد اللفظي لم يعد كافيًا أمام صرخات الأمهات اللواتي فقدن أطفالهن في غارات “الأبخرة الصفراء”.

إن التقاعس عن إجراء تحقيق دولي مستقل وشامل يعني منح الجناة صكّ غفرانٍ للاستمرار في تحويل السودان إلى مختبرٍ للأسلحة المحرّمة.

إن التقرير الاستقصائي لـ "سكاي نيوز عربية" ليس مجرد مادة إعلامية للمشاهدة، بل هو وثيقة اتهام تاريخية.

فإذا كان القاتل يظن أن غبار المعركة سيحجب الرؤية عن جرائمه، فإن التاريخ سيسجّل أن “الهواء” في السودان كان شاهدًا على أبشع أنواع الغدر الإنساني.

إن العدالة المتأخرة نوعٌ من الظلم، والعدالة لضحايا الكيماوي في السودان لم تعد خيارًا، بل ضرورة لإنقاذ ما تبقّى من إنسانية في هذا العالم.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/4/2026 11:17:00 PM
أحمد القذافي ينشر رواية اغتيال سيف الإسلام ويطالب بتحقيق شفاف
اقتصاد وأعمال 2/5/2026 10:51:00 AM
خطوة رقمية جديدة تدخل باصات النقل المشترك في لبنان، و"النهار" تشرح تفاصيل "غوغل ترانزيت" وتأثيره على التنقّل اليومي
اقتصاد وأعمال 2/5/2026 12:00:00 PM
عطية: شركة طيران الشرق الأوسط لا تبدي رغبة فعلية في تشغيل المطار، لأسباب تتعلق بعدد الطائرات المتوافرة لديها أو بقدراتها التشغيلية