أغنيات مسيئة للنبي محمد تُفجّر غضب المصريين... والمتطرفون ينفخون في "الكير"
فجّرت أغنيات مسيئة للنبي محمد، نشرها شاب مصري مقيم بالخارج، حالةً من الغضب والرفض الشديدين في أوساط المصريين، على اختلاف انتماءاتهم العقائدية والفكرية، إذ لم يقتصر التعبير عن الاشمئزاز من الألفاظ البذيئة التي تضمّنتها تلك الأغنيات على المسلمين فحسب، بل امتد ليشمل مسيحيين، وكذلك لادينيين وملحدين.
ويعود تاريخ غالبية هذه الأغنيات المسيئة إلى أشهرٍ مضت، إذ نُشرت على حساب شخصي لشاب غير معروف يُدعى عمر كوشة. والمثير للانتباه أن الضجة حيالها تفجّرت فجأة بعد أيام قليلة من حديث للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة المصرية، قال فيه: "على الناس أن تنتبه، كأجهزة ومؤسسات، وحتى كمواطنين: أنت محترم عندنا، وكل المواطنين في مصر باختلاف عقائدهم، وحتى الذين ليس لديهم عقائد".
وأكد السيسي أن "التطرف بوجهه البغيض وأفكاره الهدامة لن يجد في مصر أرضاً ولا مأوى، فالوحدة الوطنية هي درعنا الحصين، وأؤكد أن كل المواطنين سواسية في هذا البلد… وأدعو لأن نكون حراساً للحرية… خاصةً وأن الأفكار المتطرفة تأتي من الجهل بالله سبحانه وتعالى".
تشويه للحرية
يقول شاعر العامية المصرية رامي يحيى في حديثه لـ"النهار": "الأغاني التي أثارت الضجة أشبه بالقمامة، منفّرة لأي إنسان، وصادمة للغاية. عن نفسي لم أستطع الاستماع إليها لثانية واحدة، وأغلقتها على الفور".
ويضيف الشاعر المنتمي إلى التيار العلماني المصري: "هذا النوع من الأغاني المسيئة التافهة مصيره الطبيعي النسيان، وكأنها لم تكن، لكن المتطرفين ينقّبون عبر الإنترنت عن هذا المحتوى شديد الرداءة، ثم يضخّونه بكثافة عبر مقاطع فيديو وتدوينات، فيتحول إلى تريند".
وكان كوشة قد نشر سلسلة الأغاني المسيئة على مدار عامٍ كامل تقريباً، وكان آخرها "يا نبي سلام عليك"، وهي نسخة محرّفة ومقزّزة من أغنية شهيرة للفنان ماهر زين. ولم تحظَ أعماله بأي تفاعل يُذكر قبل الضجة الأخيرة.
ويعتقد يحيى أن "الهدف الرئيسي من تقديم هذا المحتوى الرديء هو استخدامه في رسم صورة ذهنية بشعة للحرية، وكأنها تساوي الانحلال والانفلات".
ويلفت إلى أن "المتشددين الدينيين، حين يفعلون ذلك، وللأسف، سواء بوعي أو من دون وعي، يرسمون صورة مشوّهة للإسلام، يبدو معها وكأنه دين لا يستطيع العيش إلا في مناخ يقمع الآخر، وكأن المسلم لا يشعر بالارتياح إلا إذا صار الكون على هواه، وكُمِّمت أفواه غير المسلمين، أو اختفوا من الأساس. وهذا خطر جسيم يجب الالتفات إليه".
انسداد ثقافي
يرى الخبير في سوسيولوجيا الإفتاء وتاريخ الحركات الإسلامية الدكتور عمرو عبد المنعم، أن "الدعوة التي وجّهها الرئيس السيسي للاستماع للجميع، بمن فيهم اللادينيون، صائبة للغاية".
ويقول الخبير المتخصص في علم الاجتماع الديني، في حديثه لـ"النهار"، إن "ظهور شاب مثل كوشة هو إفراز لحالة اجتماعية تعاني انسداداً ثقافياً، وخللاً أخلاقياً، وانسيابية غير منضبطة في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي".
ويشير عبد المنعم إلى أن "هذا الشاب لا يمتلك فكراً حقيقياً، ويبدو أن ما يفعله هو تفريغ لمجموعة من العقد النفسية التي تكونت داخله نتيجة ما تعرّض له. ومن ثم، فإن مواجهة خطئه بالهجوم عليه تُعد أمراً شديد الخطورة، كما أن الدعوات لقتله أو المساس به بأي شكل مرفوضة تماماً. يجب احتواء مثل هذا الشاب، لا سيما من قبل أسرته".
وخلال الحملة التي شُنّت ضد الشاب، ودعوات البعض للانتقام من أسرته المقيمة في مصر بحجة أنه يعيش خارج البلاد، أعلنت أسرته تبرؤها منه.

عودة النشاط
وبالاطلاع على الصفحة الشخصية لكوشة، يتبيّن أن نشاطه المسيء تصاعد بشكل لافت عقب تدوينة نشرها في 31 كانون الثاني/يناير 2025، عبّر فيها عن عزمه "الانتقام" لمقتل الشاب العراقي سلوان موميكا، الذي كان قد أحرق المصحف في السويد، وقُتل قبل يوم واحد من تدوينة كوشة على يد شاب متطرف، بثلاث رصاصات في الرأس داخل منزله.
كذلك، وضع شرطين لحذف جميع أغانيه المسيئة، في مقطع فيديو حديث، أولهما الإفراج عن جميع المعتقلين بسبب معتقداتهم وأفكارهم، والثاني إلغاء قانون ازدراء الأديان.
إذكاء الفتنة
خلال الأيام الماضية، استغلّت صفحات ودعاة سلفيون الواقعة لإذكاء نار الفتنة، عبر التلاعب بمشاعر المسلمين وحبهم الجارف للرسول، وحاولوا الترويج، من خلال تعليقات وتدوينات، أن الشاب صاحب الأغاني مسيحي. لكن بعد شيوع اسمه، ومعرفة أنه "عمر"، وهو اسم يقتصر استخدامه في مصر على المسلمين، أُحبطت تلك المحاولة.
كذلك، رُوّجت دعوات صريحة لقتله، واستندت معظمها إلى فتاوى لدعاة سلفيين، أبرزهم الداعية الراحل أبو إسحاق الحويني، الذي أفتى بأن "من سبّ الله وتاب يُترك، أما من سبّ النبي فيُقتل ولو تاب".
ونشر بعض المستخدمين عنواناً قالوا إنه مقر سكن كوشة في كندا، ودعوا الشباب المسلمين هناك إلى "التعامل معه" على غرار ما جرى مع موميكا في السويد.
ومن اللافت للتأمل أنه على مدار العقود الماضية، ظل تعامل تيارات الإسلام السياسي، على اختلاف توجهاتها، مع الأزمات التي تمس مشاعر المسلمين وتتجاوز في حق أعظم رموز الإسلام، ممثلاً في النبي محمد، يأتي بنتائج عكسية. فلم تتوقف الإساءات عند شخصيات متطرفة ذات أصول غربية، بل بدأ يظهر شباب عربي، مثل كوشة وموميكا، وآخرين أقل ضجيجاً.
هذا التحوّل الواضح لم يقابله لحظة تفكير جادة، بل جاء رد الفعل كما هو معتاد: فوران غضب، وارتفاع أصوات تدعو للانتقام، بدلاً من البحث عن حل يحفظ مشاعر المسلمين، ويعزّز التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين البشر، ولا سيما أبناء الوطن الواحد.
نبض