ليبيا بوابة خلفية لتنظيم "داعش"؟
تتصاعد المخاوف في ليبيا من استغلال عناصر راديكالية هشاشة الوضع الأمني في هذا البلد، واتخاذ ساحته موطئ قدم جديداً لتنفيذ عمليات إرهابية، أو استخدامه كبوابة خلفية للانتقال منه إلى دول الجوار.
وتلقت أجهزة الأمن الليبية خلال الأيام الأخيرة تحذيرات غربية عن علاقة تطورت بين تنظيمات أصولية على رأسها "داعش" وعصابات تهريب البشر التي تنشط في ليبيا، يمكن على أثرها تيسير عمليات انتقال عناصر إرهابية إلى الداخل الليبي عبر ممرات التهريب التي يستخدمها المهاجرون غير النظاميين، وفق ما تكشف مصادر أمنية لـ"النهار".
مسارات التسلل… من الصحراء إلى المطارات
وتتحدث المصادر عن مسارات عدة يمكن استخدامها في تسلل عناصر "داعش" عبر الدروب الصحراوية الممتدة من دول الساحل والصحراء (مالي وتشاد والنيجر والسودان) إلى جنوب ليبيا. لكن هذا المسار القديم – الجديد لم يعد الوحيد الذي يُستخدم في تهريب البشر، إذ باتت المطارات الليبية الرئيسية أيضاً مصدر قلق دولي واسع، بعدما سُجّل استخدامها بكثافة في وصول المهاجرين، لا سيما من سوريا والعراق، إلى داخل ليبيا بآليات شرعية، ومنها تتلقفهم عصابات التهريب.
وتوضح المصادر أنه، وبالتعاون مع أجهزة استخبارات إقليمية وغربية، جرى خلال الفترة الأخيرة تحديث قوائم العناصر الإرهابية والمطلوبين دولياً وتعميمها على أجهزة الأمن في ليبيا، مضيفة أن التحذيرات التي تلقيناها تشير إلى "إمكانية استغلال التضاريس الليبية لإعادة تجمّع خلايا داعش وتنفيذ عمليات في الداخل"، أو استخدام العلاقة مع عصابات تهريب البشر لانتقال ما تُسمى بـ"الذئاب المنفردة" إلى دول جوار ليبيا وأوروبا عبر ساحل المتوسط وسط قوافل المهاجرين.
تحركات أمنية وتحذيرات من محدودية القدرات
وتلفت إلى أنه في أعقاب تلك التحذيرات "شنت سلطات الأمن حملات موسعة لتفكيك بؤر تمركز عصابات التهريب في الشرق والغرب والجنوب، وجرى توقيف ضالعين في تلك العصابات حصلنا منهم على معلومات بشأن علاقتها بشبكات دولية لتهريب البشر، وصلاتها بتنظيمات راديكالية تنشط في المنطقة"، لكن المصادر تشدد على "حاجة ليبيا الملحة إلى تكثيف التعاون الدولي في هذا الملف شديد الخطورة، نظراً لانعكاسات الصراع السياسي على الأجهزة الأمنية وقدراتها التقنية والمعلوماتية".
وواجهت ليبيا "داعش" خلال العام 2016 واستطاعت تفكيك معقله الرئيسي في مدينة سرت الساحلية (وسط ليبيا) في ما عُرف بـ"عملية البنيان المرصوص"، لكن بعض عناصر التنظيم تمكنوا من الفرار إلى الجنوب، ومنه انتقلوا إلى دول الجوار عبر الممرات الآمنة التي تستخدمها قوافل الهجرة غير الشرعية وعصابات الجريمة، وفق المستشار العسكري الليبي العميد عادل عبد الكافي.
ويؤكد عبد الكافي لـ"النهار" أن بلاده "لديها مخاوف جدية من عودة التنظيم، كأي دولة تسعى إلى تثبيت الأمن والاستقرار على أراضيها"، محذراً من "حالة السيولة الأمنية والانقسام التي تعانيها ليبيا، والتي تشكّل ملاذاً آمناً للتنظيمات الإرهابية التي تتعاون مع عصابات الجريمة والهجرة غير الشرعية لتجنيد العناصر وتوسيع قواعدها وتنسيق عمليات التنقل العابرة للحدود".

عودة التنظيم وتحوّل استراتيجيته
ويشير عبد الكافي إلى أن "داعش لا يزال حاضراً ويتمدد، لكنه بدّل استراتيجيته، فبعد القضاء على بنيته الأساسية تحوّل عناصره إلى الاختباء ترقباً لفرصة إنشاء موطئ قدم جديد مع تجديد مصادر التمويل حتى ينشط مجدداً".
وإذ يُسجّل أيضاً استخدام قيادات "داعش" و"القاعدة"، ولا سيما غير المدرجة على القوائم الدولية، العديد من الممرات البحرية والجوية للانتقال من سوريا والعراق إلى دول أفريقية رخوة، بالتعاون مع عصابات الجريمة، يضيف المستشار العسكري الليبي أن التنظيمات الإرهابية "تمكنت خلال الفترات الأخيرة من السيطرة على آبار نفط ومناجم معادن وذهب داخل دول أفريقية متاخمة للحدود الجنوبية الليبية"، مشدداً على أهمية "التنسيق الدولي في مكافحة الإرهاب، ولا سيما على صعيد تبادل المعلومات وتدقيقها للحد من خطورة هذه التنظيمات".
خلايا نائمة وتغلغل داخل مؤسسات رسمية
أما الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية أسامة الشحومي، الذي يتفق مع التحذير من "الخطر الدائم لإعادة تنظيم داعش صفوفه داخل ليبيا"، فيلفت لـ"النهار" إلى "وجود خلايا نائمة للتنظيم في الداخل الليبي تنشط تحت واجهات شبه رسمية، على رأسها المفتي المعزول الصادق الغرياني". ويؤكد الشحومي "وجود شخصيات أمنية نافذة تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تعزيز هذا المسار، وعلى رأس هؤلاء رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية محمود حمزة، وقائد اللواء 52 محمود بن رجب، وكلاهما مقرّب من الجماعة الليبية المقاتلة (المحسوبة على تنظيم القاعدة)، فيما كان بن رجب متورطاً بخطف ديبلوماسيين في العاصمة طرابلس. وهناك أيضاً القائم بأعمال السفارة الليبية في سوريا وليد عمار، وهو الناطق السابق لمجلس شورى ثوار طرابلس، والذي يعمل على جلب مرتزقة من فصائل سورية متشددة للانخراط مع الميليشيات الليبية".
ويضيف: "هناك جهاز أمني رسمي يُسمى جهاز مكافحة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة، يقوده مختار الشحاوي، وهو شخصية ذات شعبية واسعة في مدينة مصراتة، لكن الحاكم الفعلي للجهاز يدعى محمد اغليو، وهو شخصية تكفيرية تفضّل الاختفاء وعدم الظهور لوسائل الإعلام، ويرتبط بعلي الصلابي (الذي عُيّن أخيراً مستشاراً رئاسياً للمصالحة). هذا الجهاز يستقطب الشباب عبر إغرائهم بمنح حكومية، كما يعج ببقايا فلول مجلس شورى بنغازي"، محذراً من خطورة بناء أجهزة أمنية مؤدلجة.
ويُسجّل الشحومي أيضاً "مؤشرات قوية على انتقال عناصر داعش من سوريا إلى ليبيا تحت غطاء رسمي، وقد لاحظنا انتشار مكاتب سفر وسياحة تقوم ببيع الموافقات الأمنية من دون تدقيق، وهو أمر خطير يسمح بتسلل مشبوهين، ويتواكب ذلك مع فتح خطوط النقل الجوي بين مصراتة ودمشق".
نبض