مأساة السودان في دافوس: صرخات الاستغاثة الدولية ورفض التحالف العسكري/ الإسلامي
تتجاوز الحرب الدائرة في السودان اليوم توصيف الصراع العسكري الداخلي لتصبح تهديداً وجودياً لمنظومة الأمن الإقليمي في شرق أفريقيا والمنطقة بأسرها.
وفي الوقت الذي يطلق فيه القادة الدوليون، أمثال المفوّض السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح ورئيس لجنة الإغاثة الدولية ديفيد كيلباند، صرخات استغاثة مدوّية من منبر "دافوس"، يصطدم هذا الحراك الإنساني بجدار صلب من التعنّت الداخلي الذي يقوده التحالف العسكري-الإسلامي والكيانات الجهويّة والقبلية المرتبطة به.
هذا التعنّت لا يمثل مجرّد موقف تكتيكي في ميدان المعركة، بل يعكس استراتيجية سياسية تضع البقاء في السلطة فوق اعتبارات البقاء البشري، حيث تحوّلت الهدنة الإنسانية من ضرورة لإنقاذ الأرواح إلى ورقة مقايضة سياسية يرفض الجيش وحلفاؤه تقديمها.
إن الأرقام الصادمة التي طُرحت في منتدى دافوس، والتي تشير إلى أن نصيب الفرد من المياه لا يتجاوز 10 لترات وأن التغطية الصحية لا تتعدى 20%، تعكس حالة من الموت البطيء المتعمّد.
وحين يصف كيلباند هذه الأزمة بأنها الأكبر في تاريخ لجنة الإغاثة الدولية، فإنه يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مرة: إن استمرار الحرب مرتبط ارتباطاً وثيقاً بظاهرة "الإفلات من العقاب" التي تسيطر على المشهد السوداني.

هذا الإفلات هو ما يمنح الجيش والقوى الإسلامية المتحالفة معه الضوء الأخضر لرفض المبادرات الإنسانية، معتقدين أن الحسم العسكري هو المسار الوحيد لاستعادة الشرعية المفقودة، متجاهلين أن كلفة هذا الحسم هي تمزيق النسيج الاجتماعي وتدمير ما بقي من بنية تحتية، بل تمزيق السودان كدولة واحدة.
يظهر تحليل موقف التحالف العسكري-الإسلامي أن رفض الهدنة ينبع من رؤية "صفرية" للصراع؛ فالقوى الإسلامية ترى في هذه الحرب معركة "وجودية" لاستعادة نفوذها السياسي، وتعتبر أي توقف للأعمال العدائية بمثابة منح اعتراف بخصومها. هذا الموقف الأيديولوجي يتقاطع مع رغبة القيادة العسكرية في فرض السيطرة الكاملة، ما أدى إلى تحويل الممرات الإنسانية إلى مناطق نزاع بدلاً من أن تكون جسوراً للنجاة.
وبدلاً من الاستجابة للنداءات الدولية بفتح الطرق للمساعدات، يُوظف الخطاب القومي والقبلي لتخوين دعوات التهدئة، ما يجعل من التجويع سلاحاً استراتيجياً ضمن أدوات المعركة، وهو ما يفسّر تعمّق المأساة في مناطق مثل كردفان والولايات الحدودية.
علاوة على ذلك، فإن تورّط الكيانات القبلية في هذا التحالف زاد من تعقيد المشهد؛ إذ تحوّلت الحرب إلى صراع وجودي وهوياتي يصعب احتواؤه بقرارات إدارية أو اتفاقيات هشّة.
إن تحذيرات برهم صالح من فجوات الحماية في زيارته لتشاد تؤكد أن السودان لم يعد يواجه أزمة داخلية، بل يصدّر أزمته للخارج نتيجة رفض القيادة العسكرية الحاكمة وحلفائها تقديم أي تنازلات إنسانية.
إن إنهاء الحرب، كما أكد القادة في دافوس، هو المدخل الوحيد لمعالجة الكارثة، ولكن هذا المدخل سيبقى مغلقاً ما دام التحالف العسكري-الإسلامي يرى في استمرار النزاع وسيلة لإعادة صياغة الدولة السودانية وفق تصوراته الإقصائية، ضارباً عرض الحائط بكل التحذيرات التي تنبئ بانهيار السودان ككيان موحد، وتحوّله إلى بؤرة عدم استقرار تهدّد السلم والأمن الدوليين.
نبض