مخيم الهول… تونس تواجه اختباراً صعباً بين الأمن ومصير مواطنيها
تشكل استعادة الجيش السوري السيطرة على مخيم الهول تطوراً لافتاً يحمل أبعاداً أمنية وإنسانية وسياسية متشابكة بالنسبة لتونس التي قد تجد نفسها أمام اختبار جدي بسبب وجود المئات من التونسيين في المخيم، معظمهم من النساء والأطفال المرتبطين بتنظيمات متطرفة، والذين لا يزال مصيرهم معلقاً منذ سنوات.
وتقدّر جمعيات ومراقبون وجود عشرات التونسيين داخل المخيم الأكثر إثارة للجدل في العالم، أغلبهم نساء وأطفال وُلد بعضهم في ظروف صعبة جداً، وفق رئيس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج، محمد إقبال بالرجب، الذي يقول لـ"النهار" إنه لا أرقام رسمية عن عدد التونسيين في المخيم.
وتعتبر عودة التونسيين الذين انضموا منذ بداية أحداث 2011 إلى التنظيمات المسلحة في سوريا، وخصوصاً "داعش"، من بين الملفات التي تشكل هاجساً أمنياً كبيراً في البلاد. ويخشى المراقبون أن تسهّل التطورات الأخيرة انتقال هؤلاء المقاتلين الذين يوصفون بـ"القنبلة الموقوتة"، إلى أماكن أخرى والتخطيط لتنفيذ عمليات ضد تونس.
ويشير بالرجب إلى أن هؤلاء المقاتلين تلقوا تدريبات أكثر قسوة، وهم أكثر راديكالية من غيرهم من المقاتلين الذين غادروا تونس للالتحاق بتنظيمات أخرى. ويحذر من إمكانية تسللهم إلى ليبيا من جديد قائلاً: "قد يشكلون حينها خطراً حقيقياً بالنسبة لتونس نظراً للوضع الأمني في ليبيا".
ويستذكر المتحدث هنا حوادث أمنية سابقة عاشتها تونس، كانت ليبيا منطلقاً للتخطيط لها، من بينها أحداث مدينة بن قردان الحدودية. ورغم أن تونس قطعت أشواطاً كبيرة في القضاء على الإرهاب، إلا أن معركتها معه لم تنته بعد وفق ما يتفق عليه الجميع في البلاد.
وقبل أيام، نفذت قوات الأمن التونسية عملية استباقية ضد خلية إرهابية في محيط سوق أسبوعية بمدينة القصرين غرب البلاد، أسفرت عن مقتل شرطي.
البعد الإنساني
بالنسبة إلى تونس، لا يتعلق الأمر فقط بعودة محتملة لمتطرفين من بؤر التوتر، فالملف يحمل أيضاً بعداً أخلاقياً وإنسانياً.
وفي هذا السياق، يقول بالرجب إن استعادة السيطرة على مخيم الهول "قد تكون فرصة حقيقية لتفعيل قنوات تواصل مباشرة مع دمشق من أجل حماية الأطفال التونسيين أولاً، فهم ضحايا قبل أي توصيف آخر".
ويضيف أن الجمعية تلقت خلال السنوات الأخيرة عشرات النداءات من عائلات تونسية تبحث عن أبنائها أو أحفادها داخل المخيمات، من دون أن تجد آذاناً صاغية أو آليات واضحة للتواصل.
وبالنسبة لعدد التونسيين في مخيم الهول، يؤكد المتحدث أن الأرقام متضاربة ولا معطيات رسمية، لكنه يلفت إلى أنه وفق الملفات التي تلقتها الجمعية هناك نحو 120 امرأة و52 طفلاً، مرجحاً أن يكون العدد أكبر بكثير.

صوت الجدة… الوجع الإنساني العميق
في مدينة القيروان، لا تكف السيدة تحية السبوعي عن تأمل صور أحفادها الذين وُلدوا في أحد المخيمات في سوريا ولم ترهم بعد. بصوت مكسور، تقول لـ"النهار": "أريد فقط أن أضم أحفادي قبل أن أموت. هم تونسيون… لماذا لا يعودون؟".
تروي تحية قصة التحاق ابنها بسوريا للقتال عبر ليبيا ثم تركيا، وتؤكد أن ذلك حدث في عام 2012، مشيرة إلى أنها من تولت إبلاغ الشرطة بنفسها.
قتل ابنها في المخيم تاركاً وراءه ثلاثة أطفال لا يحملون أي وثيقة تؤكد جنسيتهم، ولم يتلقوا أي تعليم. وتقول إنها تشعر بالخوف عليهم وتتمنى أن تحضنهم يوماً ما وتسهر على رعايتهم. طرقت كل الأبواب دون جدوى فيما يعيش أحفادها في ظروف قاسية.
قصة الجدة تحية ليست استثناءً، وفق بالرجب، الذي يؤكد أنها نموذج للوجع الصامت الذي تعيشه عائلات كثيرة، محاصرة بالأسئلة والخوف من المستقبل، ويشدد على أنه يجب عدم تحميل هؤلاء الأطفال وزر آبائهم.
هل تفتح الخطوة باب التواصل بين تونس وسوريا؟
وفق عدد من المراقبين، فإن استعادة دمشق السيطرة على المخيم قد تفرض واقعاً جديداً، يدفع نحو تنسيق مباشر أو حتى غير معلن بين البلدين، خاصة في الملفات الإنسانية. ويرى مراقبون أن البراغماتية قد تتقدم على الحسابات السياسية، خصوصاً إذا تعلق الأمر بأطفال لا ذنب لهم سوى "أنهم وُلدوا في المكان الخطأ والزمان الخطأ"، كما يؤكد بالرجب.
ولا تربط تونس أي علاقات رسمية مع الإدارة السورية الجديدة، ومنذ سقوط نظام بشار الأسد قبل أكثر من عام لم يُعلن عن أي اتصال بين البلدين، فيما تستمر السفارتان التونسية والسورية في تقديم خدماتها طبيعياً.
ويتحدث مراقبون عن قطيعة صامتة بين البلدين، بعد أشهر قليلة من استئناف العلاقات خلال فترة حكم الأسد، بعد قطيعة دامت أكثر من عقد من الزمن.
وكانت مصادر متطابقة قد أعلنت سابقاً عن وجود اتصالات بين الأجهزة الأمنية في البلدين على أعلى مستوى بشأن ملف المقاتلين التونسيين ضمن التنظيمات الإرهابية في سوريا، الذين يقدر عددهم بالآلاف.
وفي عام 2023، أعلنت وزارة المرأة والطفولة في تونس عن إطلاق برنامج لإعادة تأهيل الأطفال المولودين العائدين من بؤر التوتر، وكشفت عن استعادة 51 طفلاً كان آباؤهم يقاتلون في تنظيم "داعش" الإرهابي.
نبض