"الكلبجيّة" بمواجهة الفوبيا: تحدّي الكلاب الضّالة في مصر
بعد سلسلة من الحوادث المروّعة التي كان ضحيتَها أطفالٌ أو مسنون، اشتعلت موجة غضب واسعة في مصر، وتصاعدت المطالبات بالتخلّص من "الكلاب الضالة" بـ"أيّ طريقة". ولم يسلم، بطبيعة الحال، محبّو تلك الحيوانات والمدافعون عنها من الانتقادات الحادة والسخرية التي وصلت إلى حدّ وصمهم بـ"الكلبجية"، بل وأحياناً سبّهم والدعاء عليهم.
وفي خضمّ هذه المشاحنات الملتهبة، نُشرت تصريحات وتقديرات حيال أعداد الكلاب التي تجوب الشوارع، إلى جانب إحصاءات "مرعبة" عن حوادث العقر، ما زاد حدّة المواجهة بين محبّي تلك الكائنات، والمطالبين بالتوقف عن إطعامها أو حتى إبادتها.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن أعداد الكلاب في شوارع مصر تتراوح بين 20 و40 مليوناً.
وبحسب بيانات وزارة الصحة، فقد قفز عدد حوادث العقر إلى 1.4 مليون حالة خلال عام 2025، مقارنة بنحو 1.2 مليون في الأعوام السابقة. وتتكلف الدولة نحو 1.7 مليار جنيه مصري (ما يقارب 36 مليون دولار أميركي) لتوفير الأمصال واللقاحات الخاصة بتلك الحالات.
وفي 20 كانون الثاني/يناير، استعرض رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي الإجراءات التي تتبعها الحكومة في التعامل مع الحيوانات الضالة والمتروكة.
وأشار مدبولي إلى تحصين 121 ألف كلب خلال عام 2025، وتعقيم 8311 كلباً خلال العام نفسه.
وبينما تسعى الحكومة إلى التوصل لحلول تراها عملية ولا تخلو من البعد الإنساني، لا يزال قطاع من المجتمع يوجّه غضبه نحو الكلاب، وكل من يُبدي تعاطفاً معها أو حباً لها.
"ذئاب مفترسة"
في زمن غير بعيد، كان المصريون يطلقون على هذه الحيوانات اسم "الكلاب البلدي"، وهو تعبير يعكس قدراً من الألفة؛ فقد تعايش الناس معها، وتقبلوها، وكان بعضهم يربيها أمام منزله للحراسة، ويضع لها الطعام، بل إن بعض أهل القرى كانوا يعتبرون الاعتداء عليها اعتداءً شخصياً عليهم.
غير أن المشهد اليوم يبدو مختلفاً إلى حدّ كبير. فالتسميات الشائعة حالياً تكشف حجم التحوّل؛ إذ بات يُشار إليها بـ"كلاب الشوارع" و"الكلاب الضالة"، وظهرت أصوات تطالب بقتلها بل وإبادتها تماماً.
وهناك من يغوص في أعماق التاريخ، مروّجاً لفكرة أنها عادت إلى أصولها كمفترسات.
صحيح أن الدراسات تشير إلى أن الكلاب انحدرت من الذئاب الرمادية الأقل عدوانية التي اقتربت من البشر قبل نحو 40 ألف عام، فاستأنسوها وتغيّرت خصائصها تدريجياً، إلا أن المختصين ينفون صحة المزاعم التي راجت بعد الهجمات الأخيرة، ويؤكدون أن الكلاب لا تزال كلاباً بطبيعتها.
وفي خضم هذه السجالات المحتدمة، بدأت الحكومة المصرية تخصيص أماكن لإيواء الكلاب وعزلها عن البشر في عدد من المحافظات، كما ظهرت مبادرات أهلية لصيد الكلاب من الشوارع وتنفيذ عمليات "قتل رحيم" لها.

حلول وسط
يقول الطبيب البيطري محمد علي، في حديثه لـ"النهار": "ثمة أرضية مشتركة يمكن الوقوف عليها بين المطالبين بقتل الكلاب والرافضين المساس بها".
ويضيف: "لدينا مشكلة حقيقية يجب الاعتراف بها. مخاوف الناس تستحق الاحترام، لكن في الوقت نفسه فإن القضاء على الكلاب تماماً ليس حلاً علمياً، كما أن توفير مأوى للملايين منها أمر غير واقعي".
ويتابع: "حتى اقتراح تصديرها إلى بلدان يُشاع أنها تأكل الكلاب، يتجاهل حقيقة أن تلك الدول شهدت تحولات كبيرة، ولم يعد سكانها يفعلون ذلك كما يظن البعض".
ويشير إلى أن "الحل الأفضل يتمثل في التوسع في عمليات التعقيم، لأنها كفيلة بخفض الأعداد تدريجياً، إلى جانب التطعيم ضد السعار. أما المآوي التي تُنشئها الحكومة حالياً فلن تستوعب الأعداد الموجودة، ولذلك يُفترض أن تُخصص فقط للكلاب العقورة".
ميراث الخوف
بادر نشطاء مصريون إلى بذل جهود متفاوتة لحل الأزمة؛ فمنهم من ينظم حملات لتطعيم الكلاب ضد السعار، ومنهم من يعمل على التوعية، انطلاقاً من قناعة بأن "الخوف" ناتج في الأساس من "الجهل" بطبيعة هذه الحيوانات وطرق التعامل معها.
ومن بين هؤلاء المهندسة منى حامد التي تقول لـ"النهار": "نشأ كثير من الناس على سرديات خاطئة كرّست فوبيا الكلاب. يُحذَّر الطفل منذ صغره من أن يعضه كلب، ويُصاب أهله بالهلع إذا اقترب منه".
وتضيف أن هذا الخوف يدفع البعض إلى إيذاء الكلاب، سواء برشقها بالحجارة أو ضربها بالعصي، ما يؤدي إلى تفاقم المشكلة، إذ تبدأ الكلاب في النظر إلى البشر بوصفهم تهديداً، فتنبح عليهم، وأحياناً تهاجمهم وتعقرهم.
وتؤكد: "قتل الكلاب لن يحل الأزمة، بل سيخلق أزمات جديدة. فهي تحمي مناطقها، وتمنع دخول كلاب غريبة، وتتعرف بمرور الوقت على السكان، بل تحرسهم من الغرباء واللصوص".
وتتابع: "الكلب الذي تطعمه مرة لا ينساك أبداً. إنها كائنات شديدة الوفاء. كثير من المتطوعين كانوا يحملون خوفاً موروثاً، لكنهم تجاوزوه عندما تعرّفوا على طبيعة هذه الحيوانات، فتحولوا إلى مدافعين عنها".
التوازن البيئي
تعلّمنا الطبيعة أن القضاء التام على "العدو" لا يجلب الراحة دائماً، فوجود كل كائن له وظيفة في النظام البيئي.
وتشير دراسات إلى أن وجود الكلاب، رغم ما قد يسببه من أضرار، ليس هامشياً، إذ تلعب دوراً مهماً في الحد من انتشار القوارض وأنواع أخرى من الحيوانات التي قد يؤدي تكاثرها إلى مشكلات أكبر.
ووفقاً لدراسة أُجريت في مناطق صحراوية بمصر خلال الفترة من 2022 إلى 2024، ونشرتها "المجلة الأفريقية للعلوم البيولوجية" و"بنك المعلومات المصري"، فإن التفاعلات بين الكلاب والثعالب والقوارض معقّدة ومتشابكة.
وتوصي الدراسة بوضع استراتيجيات مدروسة للحفاظ على التوازن البيئي، وإدارة أعداد الحيوانات بأسس علمية، بعيداً عن الحلول الانفعالية أو العشوائية.
نبض