مهرّب بشر في حضرة رئيس حكومة ليبيا… ماذا وراء هذا التحالف؟
لم يكن اجتماع رئيس الحكومة المركزية في ليبيا عبد الحميد الدبيبة بقيادات وممثلين عن مدينة الزاوية الساحلية لقاءً بروتوكولياً عادياً مرّ مرور الكرام كغيره من اللقاءات مع قيادات مدن الغرب الليبي، بل بدا وكأنه يحمل رسائل تتجاوز الداخل المحلي الليبي.
ميليشيات التهريب في قلب المشهد السياسي
وكان لافتاً ظهور قائد ميليشيات "سرية الإسناد" محمد أمين كشلاف، الملقب بـ"القصب" والملاحق دولياً بتهم تتعلق بـ"تهريب البشر"، وهو يصافح الدبيبة ضمن الوفد الزائر، في وقت يحتدم التوتر بين عصابات التهريب في الزاوية، التي يُنظر إليها كبؤرة رئيسة لتجميع المهاجرين قبل نقلهم إلى أوروبا عبر ساحل المتوسط، ووسط مساعٍ حكومية لتقليم أظافر قائد ميليشيات ما تُسمى "فرقة الإسناد الأمني" محمد بحرون الملقب بـ"الفار" المتورط في قضايا قتل وتهريب، والذي بات يُناصب العداء للدبيبة ووزير داخليته عماد الطرابلسي خلال الشهور الأخيرة.
وجاء ظهور "القصب" في حضرة رئيس الحكومة داخل مقر مجلس الوزراء في العاصمة طرابلس، ليزيد الشكوك حيال الحملة الدعائية التي أطلقتها حكومة الوحدة الوطنية خلال الأسابيع الماضية بشأن مواجهة الميليشيات الخارجة عن سيطرة الدولة، والتحضير لحملة أمنية ليست الأولى من نوعها لمحاولة السيطرة على مدينة الزاوية وتخليصها من عصابات التهريب، في حين تضغط دول جنوب أوروبا على السلطات الأمنية الليبية لمنع تدفقات الهجرة المتصاعدة خلال العام الأخير.
رسمياً، أوضح البيان الحكومي أن اجتماع الدبيبة مع عميد وقيادات الزاوية تناول ملفات محلية ومتابعة الصعوبات التي تواجه تنفيذ مشاريع في الزاوية، وسبل تذليلها.

حقوقيون: رسالة إفلات من العقاب
ويقول رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أحمد حمزة لـ"النهار": "تفاجأنا باستقبال رئيس الحكومة لمطلوب جنائياً، بدلاً من إلقاء القبض عليه وتقديمه للعدالة تعزيزاً لسيادة القانون واحتراماً لقرارات مجلس الأمن"، موضحاً أن "القصب" مُدرج ضمن لائحة العقوبات الدولية بقرار من مجلس الأمن عام 2018، وهو قائد ميليشيا تُسيطر على مصفاة الزاوية ومن بين أبرز مهربي الوقود والمهاجرين وتجار البشر في غرب البلاد، كما يقود مركز اعتقال يُسمى بـ"شهداء النصر"، لكنه يُستخدم على نطاق واسع في عمليات تهريب المهاجرين.
ويرى حمزة أن استقبال قائد ميليشيات "سرية الإسناد" دليل دامغ على وجود علاقة بين حكومة الوحدة الوطنية ومهربي الوقود والبشر، ومنحهم الغطاء للإفلات من العقاب.
وبالمثل، يُشير الحقوقي الليبي البارز طارق لملوم في تصريح لـ"النهار" إلى أن تجاهل الحكومة ورئيسها لقرار فرض عقوبات دولية على شخص ظل لسنوات يتحكم في أحد أهم المرافق الحيوية في غرب البلاد، واستقباله رسمياً، "لا يمكن قراءته إلا بوصفه ضوءاً أخضر له، ولكل من تورط أو يتورط في انتهاكات حقوق المواطنين والأجانب في ليبيا"، معتبراً أن ما جرى "رسالة خطيرة مفادها استمروا في أفعالكم، فلن يطالكم أي حساب، وهو ما يقوض مبدأ سيادة القانون، ويُشرعن الإفلات من العقاب، ويكرس مناخاً يسمح باستمرار الانتهاكات دون خوف من العواقب"، مرجحاً "خروج ردود فعل من اللجنة المعنية بالعقوبات التابعة لمجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية على هذا اللقاء".
ويوضح لملوم أن محمد كشلاف هو "قائد ميليشيا برز بعد العام 2011 ضمن المجموعات التي كانت تُطلق على نفسها الثوار، وبحكم قربه من مصفاة الزاوية، التي كانت تُديرها شركة إيطالية لتصدير الغاز، كان من أوائل الأشخاص الذين عملوا على حراسة المصفاة، قبل أن يتطور دوره إلى السيطرة على المنطقة التي تضم في محيطها سجناً كان يتبع جهاز الهجرة يُسمى مركز شهداء النصر، بمعاونة مجموعات صغيرة أخرى". وفي هذه المنطقة صدرت عقوبات دولية بحق 3 أشخاص، بينهم "القصب" وعبد الرحمن ميلاد الملقب بـ"البيدجا"، والذي كان يجلب المهاجرين واغتيل العام الماضي. ويشير الحقوقي الليبي إلى أن "القصب الذي يستند إلى نفوذ قبيلته في الزاوية سعى من خلال لقائه الدبيبة إلى تبييض ملفاته بعدما تحركت المحكمة الجنائية الدولية خلال الشهور الأخيرة لملاحقة العديد من زملائه، في المقابل يظهر أن حكومة الدبيبة لا تزال تحتاج إلى تحالفاتها مع مثل هؤلاء الحلفاء رغم علمها بسجلهم السيئ".
نبض