استهداف لـ"داعش" ومساحات لـ"القاعدة"… واشنطن تعيد رسم "خريطة الجهاديين"؟

شمال إفريقيا 10-01-2026 | 06:15

استهداف لـ"داعش" ومساحات لـ"القاعدة"… واشنطن تعيد رسم "خريطة الجهاديين"؟

الإدارة الأميركية تميل إلى تصنيف الحركات لا على أساس الفروق الأيديولوجية الدقيقة، بل وفق معيار واحد: هل تشكّل تهديداً مباشراً للأمن الأميركي أو لحلفاء واشنطن؟".
استهداف لـ"داعش" ومساحات لـ"القاعدة"… واشنطن تعيد رسم "خريطة الجهاديين"؟
صورة تعبيرية بالذكاء الاصطناعي للرئيس ترامب أمام خريطة تتضمن أماكن نشاط افتراضية للحركات الجهادية - (النهار)
Smaller Bigger

ثَمّة تغيّرات لافتة في تعاطي الولايات المتحدة مع الحركات السلفية الجهادية، إلى حدّ يجعل المشهد يبدو وكأن واشنطن تعيد رسم خرائط أولوياتها صوب تلك التنظيمات شديدة الخطورة، فتضع بعضها خارج نطاق الاستهداف عسكرياً، وربما تنقلها عند نقطة ما إلى علاقة سياسية قابلة للتطوّر.
ومن المثير للدهشة أن هذا النهج بدا أكثر جلاءً في الآونة الأخيرة مع عدوّ أميركا التاريخي: "القاعدة"، رغم نشاطه وتوسّعه واحتفاظه بعدائه للغرب، بحسب تقارير رسمية أميركية.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية شنّ الجيش الأميركي عمليات عدّة ضد "داعش" في مناطق متفرّقة، يأتي في مقدّمتها سوريا، حيث استهدفت القوات الأميركية وشركاؤها 70 هدفاً تابعاً للتنظيم في أراضيها الشهر الماضي، خلال عملية واحدة أُطلق عليها "عين الصقر".

 

 

في المقابل، تراجعت الغارات الأميركية ضد "القاعدة" وأفرعها، وباتت محدودة أو منعدمة، رغم أن التنظيم الذي شنّ هجمات دامية ضد الولايات المتحدة في 11 أيلول/سبتمبر 2001 ينشط ويتوسّع في مناطق عدّة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.

تحوّلات كبرى
يتوقّع الباحث الأكاديمي المتخصّص في الحركات الإسلامية الدكتور عمرو عبد المنعم، أن يرث تنظيم "القاعدة" عرش "داعش" في كثير من المناطق التي يسيطر عليها الأخير، وأن يشهد عام 2026 تحوّلات كبرى في "عوالم الإسلام السياسي".
ويقول عبد المنعم لـ"النهار": "نظرةُ القاعدة لنفسه تغيّرت؛ لم يعد يعتبر نفسه تنظيماً جهادياً عالمياً، بل حصر نظرته في إطار محلّي، وركّز على طريقة إدارة الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرته، وعمّق روابطه الاجتماعية مع القبائل والسكان المحليين".

 

الدكتور عمرو عبد المنعم.
الدكتور عمرو عبد المنعم.

ويعتقد الباحث المصري أن تجربة "جبهة تحرير الشام" في سوريا ربما شجّعت الأميركيين وفتحت المجال أمام "القاعدة" كي يفكّر بطريقة مماثلة.
وكان قادة "الجبهة" وغالبية عناصرها يعملون تحت راية التنظيم الجهادي في "جبهة النصرة" قبل أن يعلنوا فكّ ارتباطهم به، ويغيّروا اسم حركتهم التي تولّت مقاليد السلطة لاحقاً في دمشق في أواخر عام 2024.

ترتيب أولويات
يرى الخبير في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات مجاهد الصميدعي، أن ما يحدث هو "إعادة ترتيب واشنطن لأولوياتها". ويقول لـ"النهار": "باتت الولايات المتحدة تميّز بين التنظيمات التي لا تزال تتبنّى مشروع الجهاد العالمي وتستهدف الغرب مباشرة، وتلك التي أعادت تموضعها كقوى محلية منغمسة في صراعات داخلية، حتى وإن احتفظت بجذورها العقائدية".

 

مجاهد الصميدعي.
مجاهد الصميدعي.

 

 

ويضيف الصميدعي: "في هذا السياق، يُنظر إلى فروع القاعدة في سوريا واليمن والساحل على أنها تهديد مؤجَّل أو قابل للاحتواء. وهذا لا يعني قبولاً سياسياً بها، بل تغاضياً تكتيكياً موقّتاً نابعاً من محدودية الموارد، وتعدّد ساحات الصراع، واعتبارات التنافس مع الصين وروسيا".
وبالنسبة إلى محاولة "القاعدة" محاكاة التجربة السورية، يقول إنها "تُقابل أميركياً بحذر شديد، لأن التجربة أثبتت أن التحوّل الخطابي لا يعني بالضرورة تحوّلاً أيديولوجياً حقيقياً".
إن حدوث هذا التحوّل اللافت في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قاد تحالفاً دولياً لهزيمة "داعش" وأفقد التنظيم المساحات الشاسعة التي سيطرت عليها دولته المزعومة في العراق وسوريا، يثير علامات استفهام.

 

 

وعن هذا يقول الخبير الأمني: "يمكن القول إن واشنطن تتّجه نحو مقاربة أكثر تبسيطاً لملف الإسلام السياسي. فالإدارة الأميركية تميل إلى تصنيف الحركات لا على أساس الفروق الأيديولوجية الدقيقة، بل وفق معيار واحد: هل تشكّل تهديداً مباشراً للأمن الأميركي أو لحلفاء واشنطن؟".

مقاربة مغايرة
تقول المحلّلة السياسية إيرينا تسوكرمان لـ"النهار": "بعد هزيمة داعش، تراجعت أميركا عن نهج مكافحة الإرهاب الشامل، وانتقلت إلى هدف أضيق: منع اندلاع أعمال عنف مفاجئة وواسعة النطاق يمكن أن تزعزع استقرار المناطق أو تهدّد المصالح الغربية".


 

إيرينا تسوكرمان.
إيرينا تسوكرمان.

 

وتشير تسوكرمان إلى أن "هذه المقاربة أعادت ترتيب التهديدات، فجرى رفع داعش إلى مرتبة الخطر الأكثر إلحاحاً، فيما أُحيلت الحركات الجهادية الأخرى إلى فئة ثانوية، حتى وإن ظلّت جذورها الأيديولوجية وطموحاتها بعيدة المدى مثيرةً للقلق العميق".
وتلفت المحلّلة إلى أن "تنظيم القاعدة لم يختفِ، بل تكيّف. فبدلاً من تقديم نفسه طليعةً جهاديةً عالمية واحدة، تطوّر إلى شبكة من الفاعلين المحليين المتجذّرين، يركّزون على الصبر والانضباط والتمويه السياسي. لم يكن هذا اعتدالاً أيديولوجياً، بل استراتيجية بقاء. فمن خلال تجنّب الهجمات الاستعراضية والانخراط في النزاعات المحلية وبُنى الحوكمة، انسجم القاعدة مع مناخ سياسي أميركي يفضّل الاستقرار القصير المدى على تفكيك الأيديولوجيا من جذورها".

خطر كبير
قد تُفجّر هذه التحوّلات قنبلةً موقوتة كامنة في المنطقة العربية، تتمثّل في أن غالبية المجتمعات، وبنسب متفاوتة، تزخر ببيئات ممهدة لانتشار فكر "القاعدة" سريعاً، نظراً للتأثير الواسع لتيارات السلفية الدعوية فيها.


 

وتُعدّ هذه التيارات أحد أهم روافد تغذية التنظيمات الجهادية. ويرى محلّلون أن المنتمين إلى السلفية الدعوية، ولا سيما قياداتها، يستخدمون التقيّة لإخفاء قناعاتهم الحقيقية عندما تكون الدولة قوية ومتماسكة، لكن حين تضعف مؤسساتها الأمنية يكشفون صراحةً عن مدى تقاربهم فكرياً مع نظرائهم السلفيين الجهاديين.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في مصر عقب ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، حيث اتّحد "الخصوم" الإسلاميون على فكرة "تطبيق الشريعة"، وتناسوا انتقاداتهم الشديدة لأقرانهم في التيارات الأخرى وتكفير بعضهم بعضاً، والتفّوا حول حلم واحد هو "دولة الخلافة".
وبلغ هذا الوضوح ذروته عند خروج تظاهرات واسعة تطالب بإسقاط حكم "الإخوان" في 30 حزيران/يونيو 2013؛ فقد سادت أعمال العنف ومحاولات إشاعة الفوضى، وشارك الآلاف منهم في الاعتصامات المساندة لـ"الإخوان" في ميداني رابعة والنهضة.
كذلك، انضمّوا إلى التظاهرات المطالِبة بعودة "الإخوان" إلى السلطة، ما يعطي لمحة عمّا يمكن أن يحدث لو أن القوة باتت في يد حركة جهادية مثل "القاعدة"، التي تتشابه مع السلفيين الدعويين فقهياً، ربما باستثناء حمل السلاح، وهو فارق يمكن أن يزول بسهولة تحت وطأة الحماسة وادعاءات الدفاع عن الدين.


الأكثر قراءة

العالم العربي 1/9/2026 2:39:00 PM
إعادة الإعمار، وتأمين التمويل له، على أي نحو كان، بأي توجه، سيبقى منوطاً، بتشكيل "مجلس السلام"، كهيئة إشرافية، أو بالأحرى وصائية.
المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
المشرق-العربي 1/9/2026 9:06:00 AM
الجيش السوري: دخول حافلات إلى حي الشيخ مقصود في حلب لنقل مقاتلي قوات "قسد" إلى مناطق شرق الفرات
المشرق-العربي 1/9/2026 2:05:00 PM
كانت قوات سوريا الديموقراطية "قسد" تسيطر عليهما قبل العملية الأخيرة، مع العلم أن المنطقتين يعتبران جيباً منفصلاً عن مناطق سيطرتها في شمال شرق سوريا.