تصريحات تبون عن تونس: رسائل سياسية وهواجس أمنية
أحدثت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حيال العلاقة مع تونس ضجةً واسعةً في الأوساط السياسية والإعلامية، وحتى الشعبية، في البلدين، وكانت وراء العديد من التساؤلات التي طُرحت بشأن خلفياتها ودوافعها.
أمن واحد
مع أن الرئيس تبون كان دائم الحرص على إبراز متانة العلاقة مع تونس، والتشديد على أولوية العمق التونسي في السياسة الخارجية الجزائرية، فإنه اختار هذه المرة عبارات واضحة، لكنها حمّالة لرسائل متعددة، إذ شدّد بنبرة تحذيرية على أن "امتداد أمن الجزائر إلى تونس، وامتداد أمن تونس إلى الجزائر"، مجدداً التأكيد على أن بلاده "لن تتخلّى عنها في أي ظرف".
وفي كلمته، تحدّث تبون عمّا سمّاه محاولة "تصدير إرهاصات صراع في الشرق الأوسط إلى تونس"، محذّراً في هذا السياق من محاولات إعادة إنتاج هذا الصراع "عبر طبخات الجماعات الإرهابية والمتشدّدة".
كذلك، حذّر في كلمته أمام البرلمان الجزائري ممّا وصفه بـ"محاولات لإحداث فتنة سياسية" بين الجزائر وتونس.
حملات وتشكيك
رغم أن هذه التصريحات تندرج في ظاهرها ضمن خطاب تقليدي يعكس متانة العلاقات بين البلدين الجارين، فإن توقيتها وسياقها الإقليمي يفتحان الباب أمام العديد من التأويلات والقراءات التي تتجاوز المجاملات الديبلوماسية التقليدية إلى الكشف عن وجود هواجس أمنية حقيقية تشغل صناع القرار في الجزائر، وفق العديد من المراقبين.
وتأتي تصريحات تبون، التي نفى فيها بشكل قطعي أي عمل لجيش بلاده في تونس، وتشديده على احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها، في وقت تنتشر أخبار في الداخل التونسي تؤكد وجود تدخلات جزائرية في الشأن التونسي عبر اتفاقيات عسكرية سرية.
وتعالت أصوات عديدة في تونس في الفترة الأخيرة مناديةً بنشر تفاصيل اتفاقية أمنية ثنائية مع الجزائر، وُقعت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعد تسريب وثائق زُعم أنها تعود إليها، وتؤكد وجود بنود تسمح بتدخل الجيش الجزائري لحماية الرئيس قيس سعيّد ودعمه.
ورغم نفي الرئيس التونسي وجود هذه الاتفاقية، فإن حملات التشكيك تواصلت من خلال تصريحات لأصوات معارضة من الإسلاميين أو مقربة منهم، اتهمت سعيّد بـ"التخلي عن سيادة البلد".
يقول الباحث السياسي الجزائري عمار سيغة لـ"النهار" إن "هناك أطرافاً تحاول إشعال الفتنة بين تونس والجزائر عبر ترويج أكاذيب تستهدف العلاقات الثنائية بين البلدين"، مشدداً على أن هذه الأطراف ليس من مصلحتها وجود علاقات اقتصادية وسياسية قوية بين الجانبين.
ويشير سيغة إلى أن "تصريحات الرئيس تبون جاءت عقب تداول تسريبات كان الهدف منها تهديد التقارب بين البلدين"، لافتاً إلى أنها "تزعج العديد من الأطراف التي تحاول إما الانفراد بالجزائر أو الانفراد بتونس".
كذلك، يؤكد أن شن هذه الحملات في مثل هذا التوقيت الحساس الذي يمر به الفضاء المغاربي "غير بريء".


استهداف للجزائر
يتفق الديبلوماسي التونسي السابق علي العبيدي مع سيغة في تقدير أن هناك نوايا مغرضة وراء تداول الشائعات التي تتحدث عن تدخل جزائري في الشؤون التونسية.
لكن العبيدي يقدّر، في تصريح لـ"النهار"، أن الجزائر هي المستهدفة بالأساس من هذه الحملات، ويلفت إلى أن "القيادة الجزائرية تعي جيداً أن هناك الكثير ممن يترصدون بها؛ لذلك فإنها الأكثر حرصاً على عدم تعكير العلاقات معها، باعتبارها الدولة الجارة الأكثر أماناً لها".
تقاطع المصالح
في تقدير عدد من المراقبين، فإن تصريحات تبون تأتي انعكاساً للتطورات التي يعيشها البلدان.
وفي هذا السياق، كتب المحلل السياسي التونسي عز الدين البوغانمي منشوراً أشار فيه إلى تقاطع الحملة التشهيرية الأخيرة، التي تزعم "هيمنة الجزائر على تونس"، مع تصاعد التوتر بين الجزائر وفرنسا، موضحاً بأن الهدف لا يقتصر على علاقة ثنائية بين بلدين شقيقين، بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإضعاف الدولة الجزائرية وتقويض أي مسار تكاملي بينها وبين تونس.
كذلك، لفت إلى تلاقي مصالح بعض القوى المحلية في تونس، وعلى رأسها "حركة النهضة"، مع الأجندة الفرنسية اليمينية لتعطيل التقارب التونسي - الجزائري، وتقويض أي نوع من التكامل الإقليمي، لإضعاف الدولة الوطنية في كلا البلدين، وإعادة إنتاج التبعية الاقتصادية والسياسية.
علاقات ضاربة في القدم
تاريخياً، كانت تونس دائماً في قلب الحسابات الجزائرية، إذ تشكل العمق الاستراتيجي لحدودها الشرقية، وقد كان ذلك جلياً خلال الفترات الصعبة التي مرت بها الجزائر، بداية من فترة الاستعمار، مروراً بفترة العشرية السوداء، وصولاً إلى ما بعد أحداث 2011 وتنامي حضور الجماعات الإرهابية في المناطق الحدودية المشتركة.
وتُعد تونس المتنفس الحدودي الأكثر أمناً للجزائر، التي تواجه تحديات كبيرة من منطقة الساحل، ومن الحدود مع ليبيا غير المستقرة، مقابل توتر علاقاتها مع جارتها المغرب.
في المقابل، كانت الجزائر في مقدمة الدول التي قدمت الدعم لتونس منذ أحداث 2011، سواء عبر القروض والهبات أو من خلال الدعم الطاقوي، ما يجعل من العلاقة بين البلدين مهمة للطرفين.
نبض