المشيشي يعود إلى المشهد التونسي من باريس بمبادرة مثيرة للجدل
أعلن رئيس الحكومة التونسية الأسبق هشام المشيشي، من باريس، عن مبادرة جديدة تضم عدداً من الوزراء السابقين والسياسيين المقيمين في الخارج، ترفع شعار "الإنقاذ والتوحيد"، وأثارت هذه المبادرة العديد من التساؤلات بشأن خلفياتها ومن يقف وراءها، ومدى قدرتها على توحيد المعارضة المشتتة، خصوصاً على مستوى التأثير في الرأي العام التونسي.
مبادرة إنقاذ
ومن العاصمة الفرنسية، أعلن المشيشي عن مبادرة تهدف إلى "فتح أفق جديد للحوار الوطني" في تونس، في "ظل ما تعيشه البلاد من انسداد سياسي وأزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة".
ودعا المشاركون في هذه المبادرة بعد اجتماعهم في باريس إلى تكوين جبهة سياسية لمقاومة حكم الرئيس قيس سعيد.
وبحسب المعطيات، فإن المبادرة ترتكز على الدعوة إلى حوار واسع لا يُقصي أي طرف، وتستند إلى مقاربة "واقعية" تعترف بتوازنات القوة القائمة، مع التركيز على أولوية الإنقاذ الاقتصادي واستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية. غير أن هذه العناوين العامة لم تُخفِ حالة الغموض التي أحاطت بتفاصيل المبادرة وآليات تنفيذها.
أي حظوظ؟
ويأتي الإعلان عن المبادرة من باريس في وقت فشلت فيه مبادرات مماثلة سعت أصوات معارضة في تونس لتشكيلها من أجل توحيد صفوف المعارضين.
ولا تبدو حظوظ مبادرة باريس وافرة مقارنة بحظوظ المبادرات الداخلية، في تقدير المحلل السياسي إبراهيم الغربي، الذي يقول لـ"النهار" إن التشتت هو العامل المشترك بين كل المعارضين في تونس، سواء في الداخل أو الخارج.
وبخصوص مصير هذه المبادرة، يقول رئيس المكتب السياسي لحزب مسار 25 جويلية حسام بن أحمد، لـ"النهار"، إنها لن تختلف عن مصير باقي المبادرات المشابهة لها بالنظر إلى الأسماء المشاركة فيها، معتبراً أنها مبادرة "ولدت ميتة لأن الحل ليس في تجريب المجرب".
ويشدد على أن هذه الأسماء أثبتت فشلها عندما كانت في الحكم وفقدت ثقة التونسيين، ويعتبر أن طرحها لنفسها كبديل دليل على عجز المعارضة وتخبطها.
من جهته، يقول الغربي إن تصدر المشيشي ومن معه من أسماء يُحمّلها عموم التونسيين مسؤولية الأزمات العديدة التي عاشها البلد يخدم السلطة الحالية ويزيد من شعبية الرئيس سعيد.
وتضم المبادرة الجديدة عدداً من الوجوه الإسلامية أو المقربة من الإسلاميين، سواء ممن عملوا في فترة حكمهم أو تحالفوا معهم، وهو ما جعلها محل انتقادات واسعة، خصوصاً من أنصار سعيد.
والأسبوع الماضي تظاهر عدد من أنصار الرئيس التونسي بمناسبة ذكرى الثورة، منددين بالتدخل الخارجي ومجددين مساندتهم لسعيد، في ما بدا رسالة دعم واضحة له في مواجهة التحركات المعارضة الأخيرة.

عودة للمشهد
وبات لافتاً في الفترة الأخيرة سعي المشيشي، الذي اختاره سعيد بعد فوزه في انتخابات 2019 رئيساً للحكومة قبل أن يُقيله عند إعلان التدابير الاستثنائية في 2021، للعودة إلى المشهد السياسي بعد صمت طويل.
وظهر المشيشي في مقابلات صحافية ليتحدث عن كواليس 25 تموز/يوليو 2021، مؤكدًا أنه "أُجبر على ترك منصبه".
وصاحب ترؤس المشيشي للحكومة غضب شعبي كبير بسبب فشله في إدارة مختلف الأزمات في البلاد، وخصوصاً أزمة كورونا، حين عجزت المنظومة الصحية التونسية عن استيعاب العدد الكبير من الإصابات.
لكن علاقة المشيشي بالإسلاميين تطرح أكثر من سؤال بالنسبة للغربي، الذي يشير إلى أن التونسيين لن ينسوا تحالفه معهم خلال فترة رئاسته للحكومة، ويشدّد على أن ذلك "يعطي انطباعاً بأنهم من يقفون وراء هذه الخطوة ويحاولون العودة للمشهد عبرها من باب معارضة الخارج".
بين رسائل الداخل والخارج
وتطرح قيادة المشيشي لهذه المبادرة العديد من التساؤلات بشأن قدرته على تجميع المعارضة وتوحيد صفوفها، في حين أنه لا يملك رصيداً سياسياً أو شعبياً كبيراً.
ويقول بن أحمد لـ"النهار" إن مبادرة المشيشي الجديدة، التي ضمت وجوها سبق وأن جرّبها التونسيون، "لن يكون لها أي تأثير" على المشهد التونسي الداخلي، معتبراً أن هدفها "التسويق الخارجي لرواية المعارضة".
ويحمل اختيار باريس لإطلاق هذه المبادرة رسائل عدة، يقول الغربي إنه يبعث برسالة أولى للخارج تؤكد على مدى تأزم الوضع في تونس، وثانية للداخل التونسي تؤكد أن الأزمة باتت تحظى بمتابعة وقلق يتجاوزان الحدود الوطنية.
لكنه يرى أن طرح هذه المبادرة من الخارج يجعلها محط انتقادات، ويشدّد على أن "أي مبادرة لا تنطلق من داخل البلاد ولا تحظى بغطاء اجتماعي وسياسي واضح، ستبقى حبيسة البيانات والتصريحات وسينظر لها دائماً بعين الريبة".
وبغض النظر عن خلفيات هذه المبادرة، يبقى السؤال الأبرز: هل ستتحول إلى مسار فعلي، أم ستنضم إلى سلسلة المبادرات غير المكتملة؟
نبض