"نموذج تونس" من جديد… لماذا تروّج إسرائيل لنقل قيادات "حماس"؟
أثار نشر الإعلام الإسرائيلي في الأيام الأخيرة أخباراً حيال مفاوضات واتصالات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول عدة، من بينها إيران، بشأن إمكانية نقل قيادات بارزة من حركة "حماس" إلى تونس، جدالاً واسعاً بين التونسيين، إذ انقسمت الآراء بين مرحّب ومحذّر من عواقب ذلك على أمن البلد.
خطط قديمة
الحديث عن نقل قيادات "حماس" في الحقيقة ليس جديداً، فمنذ بداية الحرب على غزة كان مصير الحركة وقياداتها من أكثر المواضيع الجدلية. وفي كل مرة كان يُطرح فيها النقاش بشأن هذا الملف، كانت تظهر تقارير تؤكد وجود خطط إسرائيلية لإخراجها من غزة والبحث عن وجهات جديدة لها.
وفي الساعات الأخيرة كانت تونس إحدى الوجهات المقترحة لاستقبال قيادات "حماس"، وفق ما نشرته تقارير صحافية إسرائيلية وحتى فرنسية، أكدت – استناداً إلى مصادر لم تسمّها – أن "هذا الموضوع كان هدف الزيارة التي أجراها وزير الخارجية الإيراني (عباس عراقجي) لتونس الأسبوع الماضي".
من جهتها، لم تعلّق السلطات التونسية على الأخبار المتداولة، لكن مصادر متطابقة أكدت أنها "عارية من الصحة".
نموذج تونس
ويأتي نشر هذه الأخبار تزامناً مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي دعا قبل أيام قطر إلى طرد من سمّاهم "الإرهابيين" أو تقديمهم للعدالة، وإلا فإن إسرائيل ستقوم بذلك.
وهذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها اسم تونس عند الحديث عن نقل قيادات "حماس" إلى وجهة جديدة، فقبل أشهر دار الحديث عمّا يُعرف بـ"نموذج تونس"، في إشارة إلى إبعاد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، حين اضطر ياسر عرفات وقيادات المنظمة إلى الخروج إلى تونس كجزء من تسوية أنهت الحرب.
وفي شباط/فبراير الماضي، أعلنت هيئة البث الإسرائيلية نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين، أن تل أبيب مستعدة للتعايش مع بقاء "حماس"، ولكن ليس داخل غزة. وأضافت أنها تناقش مع الإدارة الأميركية اعتماد "النموذج التونسي" على غرار استقبال منظمة التحرير الفلسطينية، وقد اقترحت إبعاد بعض مسؤولي "حماس" أو جميعهم خارج القطاع.
توريط... أو جسّ نبض
تقول المحللة السياسية ضحى طليق، لـ"النهار"، إن ما يروّجه الإعلام الإسرائيلي حيال إمكانية نقل قيادات "حماس" إلى تونس ليس سوى "محاولة لتوريطها أو جسّ النبض من أجل تشتيت الرأي العام"، خصوصاً بعد استهداف قطر التي تُمارَس عليها ضغوط من أجل التخلي عن هذه القيادات.
وتضيف أن تونس كان لها تجربة في احتضان منظمة التحرير الفلسطينية وليس "حماس" كحركة، مشدّدةً على أن المنظمة كانت تمثل الشعب الفلسطيني حينها بكل توجهاته، وبالتالي فإن "دعمها كان دعماً للحق الشرعي للشعب الفلسطيني لأنها الممثل الشرعي له بجميع مكوّناته".
وفي السياق نفسه، تلفت إلى ضرورة التمييز بين دعم تونس لفلسطين قضيةً وشعباً، ودعم "حماس" كحركة. وتؤكد أن "تونس دولة مدنية على خط النقيض مع كل التيارات الإسلامية التي فشل بعضها في إيجاد مكان له بها".
وفي تقدير طليق، فإن الشعب التونسي الذي يرفض الحركات الدينية لن يقبل بوجود قيادات "حماس" على أرضه.
في المقابل، تلفت إلى أنه "نظرياً، وعلى مستوى العقيدة، هناك دول أقرب إلى حماس من تونس وبإمكانها استقبال قياداتها".
سياقات مختلفة
المحلل السياسي حسان العيادي يشاطر طليق الرأي بأن ما تداوله الإعلام الإسرائيلي حيال وجود مفاوضات لاستقبال تونس لقيادات "حماس" يدخل في إطار عملية تضليل.
ويقول لـ"النهار" إن ترويج هذه الأخبار "يدخل في إطار عملية دعائية تظهر إسرائيل وكأنها انتصرت في الحرب وتبحث عن مخرجات لإنهائها".
وفي ما يتعلق بالمفاوضات المحتملة مع تونس من أجل استقبال قيادات "حماس"، يرى أنه نظرياً ليس هناك موانع لذلك، إذ "سبق لها أن استقبلت في الثمانينيات منظمة التحرير الفلسطينية".
لكنه يشير إلى اختلاف السياقات تونسياً وفلسطينياً، ويوضح أن "منظمة التحرير أُبعدت حينها من فضاء عربي، أما اليوم فالإبعاد سيكون من الفضاء الفلسطيني". ووفق قوله "من شبه المستحيل أن تقبل قيادات حماس بإبعادها عن أرضها، وهو ما عبّرت عنه أكثر من مرة".
أما بالنسبة لتونس، فيقول العيادي إنها "ترفع شعارات حاسمة في علاقتها بفلسطين، رافضةً كل أشكال التعامل مع إسرائيل، حتى إنها لا تصوّت على أي مبادرة في هذا الإطار، متمسكة بأن الانتصار للقضية الفلسطينية كلي أو لا يكون".
ويختم مؤكداً أن قبول تونس بأن تكون جزءاً من صفقة إبعاد قيادات فلسطينية عن أرضها سيسقط كل الشعارات التي ترفعها وسيضعها في حرج، لذلك من المستبعد جداً، في تقديره، أن "تقبل بهذا السيناريو أو حتى تناقشه".
نبض