"كربلاء بين الأسطورة والتاريخ"... كيف وظّفت إيران ثورة الحسين سياسياً؟
في رحلة بحثية امتدت لسنوات، استكشف أستاذ الدراسات الإيرانية الدكتور أحمد لاشين أغوار حادثة كربلاء، منطلقاً من تلك الواقعة التاريخية المهمة، ليقدّم تصوراً مركباً يربط بين التاريخ والحاضر، والأسطورة والواقع، والدين والسياسة. وقد شرح بأسلوب مبسّط كيف استخدم النظام الإيراني منذ "الثورة الإسلامية" مقتل الحسين بن علي سياسياً منذ قيام "الثورة الإسلامية" عام 1979.
في الطبعة الثانية من كتابه، التي صدرت قبل أيام، كشف لاشين في مقدمة جديدة عن أمور لم يُفصح عنها في الطبعة الأولى. فقد اعترف بأن فكرة بحثه، التي وُلِدت خلال رحلة إلى إيران في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، لاقت رفضاً شرساً من الإيرانيين، ووضعته موضع مراقبة طوال فترة زيارته.
وأشار إلى أن أحد "آيات الله" غير لهجته الودودة وحديثه المنمّق بالعربية إلى الفارسية بلهجة حادة، محاولاً ثنيه عن فكرة البحث، بل قدم له الإيرانيون عرضاً مغرياً لإجراء رسالة الماجستير في إيران، بشرط أن تكون عن أي موضوع آخر غير كربلاء.
الدكتور أحمد لاشين
فكرة حساسة
وفي حديثه مع "النهار"، يقول لاشين: "كان رفض موضوع كربلاء في إيران نتيجة حساسية الفكرة وأبعادها المذهبية والسياسية المتشابكة. فالخطاب الثقافي الإيراني يحاول تجنّب التطرق إلى الطابع العنيف في ممارسات عاشوراء، والاكتفاء برمزية العزائيات على المستوى الشعبي، مع توظيفها سياسياً".
ويلفت إلى أن "جميع المنح الدراسية التي تقدّمها إيران تقتصر على الجوانب الأدبية واللغوية، مع الابتعاد عن أي دراسات ذات طابع سياسي أو عقائدي، فالنظام الإيراني يفضّل تصدير ثقافته وأدبه بعيداً عن أي إشكاليات معقدة".
وعن سبب رفض الموضوع في وطنه، يقول لاشين: "في البداية قوبل الموضوع بالرفض في مصر، نظراً لميول الدراسات الشرقية المصرية إلى الجوانب الكلاسيكية المعتادة آنذاك، إلى أن أثبتت الفكرة أهميتها مع الوقت، وأصبح لهذا التوجّه رواج وانتشار".
التاريخ والأسطورة
الكتاب الذي يتألف من نحو 430 صفحة، جزء من رسالة الماجستير الخاصة بلاشين، يبدأ بالتنقيب عن جذور الخلاف القديمة بين بني هاشم وبني أمية، مشيراً إلى أن النصوص التاريخية أضفت طابعاً أسطورياً على هذه الخلافات، إذ قالت إن "هاشم وعبد شمس كانا توأمين، وقد التصق أصبع عبد شمس بجبهة هاشم، وفي رواية أخرى التصقت جبهتهما ببعض، وفي الحالتين فرقوا بينهما بالسيف، مما كان إيعازاً بسيل الدماء بينهما".
يتنقل الكاتب بين نصوص قديمة ومعاصرة، ويواجه كل رأي برأي مقابل، ليقدّم لوحة شاملة ومتنوعة رغم محدودية المساحة النصية، معتمداً على أعمال المقريزي، الطبري، ابن سعد، ابن خلدون، أبو بكر المالكي، وطه حسين، ومحمد أركون، ورولان بارت، وغيرهم.
أسلوب الكتاب يمزج بين الرصانة الأكاديمية والبساطة الأدبية، ليقدّم صورة واضحة لحادثة كربلاء، متجاوزة حدود الزمان والمكان والشخصيات، ومزجاً متناغماً لطبقات من الأساطير القديمة منذ عهد الزرادشتية مروراً بكربلاء وصولاً إلى العصر الحديث.

تشكل واقعة مقتل الحسين في كربلاء حادثة محورية ذات بعد أسطوري بالنسبة للإيرانيين
أساطير حية
ويضيف: "لا يوجد مجتمع على وجه الأرض، خصوصاً أصحاب الرصيد الحضاري كإيران ومصر، إلا وسنرى تجليات للمعتقدات القديمة في الثقافة الشعبية اليومية أو الاحتفالات الدينية".
ويتابع: "الوضع في إيران أكثر تعقيداً، فالقديم حاضر في كل شيء، ويشكل رصيداً من الحضارة والثقافة والديانات القديمة موجوداً في جميع أوجه الحياة، أدبياً وشعبياً وسياسياً".
استغل النظام الإيراني منذ الثورة الإسلامية واقعة كربلاء ووظفها سياسياً
السياسة والدين
وعن استغلال النظام الإيراني لكربلاء سياسياً، يقول لاشين: "توظيف مأساة الحسين سياسياً أمر أصيل في الأيديولوجية الإيرانية. فالأزمة نفسها ذات طابع سياسي منذ البداية، ثم تحوّلت إلى عمق عقائدي معقد مع مرور الوقت".
ويتطرق إلى أن إيران الثورة استخدمت مظلومية الحسين على كافة الأصعدة، فالحسين رمز الثورة الإسلامية، وُوظف منذ البداية، فجيش يزيد يُشبَّه بجيش الشاه، والثورة تُشبَّه بثورة الحسين. وحتى كتابات وخطابات آيات الله السياسية كانت تعتمد على مفهوم "نهضت حسيني"، أو ثورة الحسين، لتجييش الشعب ضد الشاه.
ويشير لاشين إلى استمرار هذا التوظيف السياسي حتى خلال حرب الـ12 يوماً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ وظّفت إيران المظلومية الحسينية بشكل "ممتاز"، وظهرت طقوس عاشوراء في تشييع شهداء الحرب، لتصبح الرموز الحسينية جزءاً من الوعي السياسي والشعبي في الوقت نفسه.
نبض