مصر تدرس العودة إلى الكتاتيب: تشكيل جديد للوعي الديني أم أساسٌ للتكفير؟

شمال إفريقيا 06-06-2025 | 12:48

مصر تدرس العودة إلى الكتاتيب: تشكيل جديد للوعي الديني أم أساسٌ للتكفير؟

الكتاتيب جمع كتاب، وهي مؤسسات تعليمية انتشرت في الماضي، وكانت تركز على التعليم الديني، وخصوصاً تحفيظ القرآن وعلومه، وقواعد اللغة العربية، وتعتمد على أسلوب الحفظ والتلقين، وذاع عنها أنها تستخدم أساليب عنيفة في تأديب الأطفال، وأكثرها شهرة "الفلكة". 
مصر تدرس العودة إلى الكتاتيب: تشكيل جديد للوعي الديني أم أساسٌ للتكفير؟
صورة متداولة لشكل الكتاتيب في الماضي
Smaller Bigger

أثيرت فكرة عودة الكتاتيب في مصر مرات عدة، خلال السنوات الأخيرة، ما أسفر عن سجالات وانتقادات، سرعان ما هدأت، ولكن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بدراسة تلك الفكرة التي تقدّم بها وزير الأوقاف أسامة الأزهري، شكّل تحولاً فارقاً، فقد بات الأمر جدياً وفي طور الدراسة وربما التنفيذ.

وتقول الحكومة إن دراسة الفكرة تستهدف التأكد من أن الكتاتيب سوف تساهم في تشكيل الشخصية المصرية السوية، وتعزز ثوابت الدولة الوطنية القائمة على التسامح والاحترام لكل الأديان في نفوس المواطنين.

ويرى المؤيدون لفكرة عودة الكتاتيب أنها "تدعم الأخلاق والقيم في نفوس الأطفال مع بداية تشكل وعيهم"، خصوصاً أنها تساعدهم على حفظ القرآن. وغالبية أنصار الفكرة هم من رجال الدين والوعاظ ومحفظي القرآن، الذين تعتمد عليهم الكتاتيب في تعليم التلاميذ، إضافة إلى قطاع من المصريين الذين يرون في التعليم الديني سبيلاً لزرع الأخلاق والقيم النبيلة في نفوس أبنائهم.

 

 

"سيدنا" و"المؤدب"
الكتاتيب جمع كتاب، وهي مؤسسات تعليمية انتشرت في الماضي، وكانت تركز على التعليم الديني، وخصوصاً تحفيظ القرآن وعلومه، وقواعد اللغة العربية، وتعتمد على أسلوب الحفظ والتلقين، وذاع عنها أنها تستخدم أساليب عنيفة في تأديب الأطفال، وأكثرها شهرة "الفلكة". 

ويشير الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث، خلال حديث لـ"النهار"، إلى نقطة تستحق التأمل، وهي أن معلم الكتاب الذي اشتهر في اللهجة العامية المصرية بـ"سيدنا"، كان يسمى في الأساس "المؤدب". هذا الإسم (المؤدب) ومقابله العامي (سيدنا)، يرسمان صورة ذهنية لهذا النمط التعليمي العتيق، ويفسر الرهبة التي كانت تنتاب الطلاب من "سيدهم" أو معلمهم.

وقد تراجع دور الكتاتيب بدرجة كبيرة في منتصف القرن العشرين، مع انتشار أساليب التعليم الحديث، والتركيز على تنمية التفكير النقدي والإبداع ومهارات حل المشكلات واتخاذ القرار.   

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي للفلكة وطريقة استخدامها قديماً - (النهار)

 

خارج الزمن
ويرى مغيث أن الكتاتيب كانت مناسبة لعصرها، مشيراً إلى أن معظم الشخصيات المصرية البارزة قبل ثورة 23 تموز/يوليو 1952 ارتبط تعليمها بالكتاب. 

تلك الشخصيات، ومن أبرزها الدكتور طه حسين، وسعد زغلول، والإمام محمد عبده، إما أكملت تعليمها وفقاً لمناهج التعليم الحديث داخل مصر أو سافرت لتلقي العلم في الغرب.

ومغيث الذي بدأ هو ذاته دراسته ما قبل المدرسية في الكتاتيب، يقول: "النمط التعليمي الذي تقدمه تلك الأماكن لا يتوافق مع أساليب التعليم الحديثة، ولا مع الدولة الحديثة، ومفهوم المواطنة".

ويقول مسؤولون في وزارة الأوقاف إن الحد الأدنى للسن الذي يسمح فيه بالالتحاق بالكتاب هو 3 سنوات، أما الحد الأقصى للسن فهو مفتوح، ما يجعل الكتاتيب مساراً تعليمياً موازياً للتعليم الرسمي.



"طائفي بامتياز"
ويقول الكاتب المهتم بالتراث رامي يحيى، لـ"النهار"، إن "نظام التعليم في الكتاتيب طائفي بامتياز، إذ تصنف الأطفال منذ نعومة أظافرهم بناءً على ديانتهم، فقد كان في الماضي لدينا كتاتيب للمسلمين، وهذه هي التي يعرفها أغلبنا، وقد شكلت الصورة الذهنية التي في عقولنا عن الكتاتيب".

ويضيف يحيى أن "هذه الصورة المعتادة،  ربما تجعلنا نرى عودة الكتاتيب كأمر عادي، ولكن حين ندقق أكثر، سنجد أنه كان هناك كتاتيب للمسيحيين، وأخرى لليهود، وهذا يدل على أن منظومة الكتاتيب هي نظام تأسس على تصنيف أطفالنا بناءً على ديانتهم، وهذا يختلف عن التعليم الوطني الحديث، ما يخبرنا بأننا سنعود إلى الخلف، بدلاً من أن نتقدم ونحاول اللحاق بركب التطور والعلوم الحديثة الذي سبقنا إليها العالم".

 

تأهيل للتشدد
ويقول الباحث في الحركات الإسلامية حسام الحداد لـ"النهار": هناك مخاوف مشروعة من عودة الكتاتيب، استناداً إلى تجارب سابقة: تاريخياً، استُغلت الكتاتيب، خصوصاً في المناطق الريفية والفقيرة، من قبل جماعات مثل "الإخوان المسلمين" والسلفيين، كمساحات لتجنيد النشء وتعليمهم أفكاراً متشددة تحت غطاء تحفيظ القرآن، وهذا احتمالية حدوثه كبيرة الآن، خصوصاً أن الأفكار المتشددة لا تزال فاعلة في المجتمع المصري".

وتقول وزارة الأوقاف إنها تضع ضوابط وشروطاً لمنح تراخيص فتح الكتاتيب والعمل بها لمن هم مؤهلون علمياً ونفسياً، وإن لديها معهداً لإعداد محفظي ومقرئي القرآن له 69 فرعاً على مستوى الجمهورية.

ويشير الحداد إلى أن "ضعف التأهيل التربوي للمعلمين في بعض الكتاتيب سوف يجعلها بيئة خصبة لغرس مفاهيم سلبية كالتكفير، ورفض الآخر، وتقديس الطاعة العمياء للشيخ أو القائد".

ويلفت إلى أن "جماعات مثل السلفية الدعوية ركزت على الكتاتيب كمدخل لغرس مفهوم ’الولاء والبراء‘، و’الطاعة والبدعة‘، وهي مفاهيم تقوّض مبادئ الدولة المدنية والتعايش المشترك. ونستطيع القول إنه إذا عادت الكتاتيب دون إطار رقابي صارم ومحتوى تربوي وطني حديث، فهناك بالفعل احتمال لإعادة إنتاج ثقافة الانغلاق والتشدد".


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
لبنان 4/4/2026 7:56:00 PM
مقتل جندي إسرائيلي في شبعا بنيران صديقة خلال عملية جنوب لبنان 
لبنان 4/4/2026 9:34:00 PM
إنذار عاجل إلى جميع المتواجدين في منطقة معبر المصنع على الحدود اللبنانية – السورية، وكذلك إلى المسافرين على طريق M30، داعيا إلى إخلاء المنطقة فورًا.