"إغلاق وعزلة"… أزمة دير سانت كاترين تتفاعل رغم تطمينات القاهرة
أعاد حكم قضائيّ صادر عن محكمة مصرية أزمة دير سانت كاترين في جنوبي سيناء إلى واجهة السجالات في مصر، رغم تأكيد السلطات المصرية التزامها الكامل بالحفاظ على مكانته الدينية الفريدة والمقدسة. وأصدرت إدارة الدير، إلى جانب أبرشيات وكنائس رومية أرثوذكسية، بيانات تعبر عن قلقها وانتقادها لما آلت إليه الأزمة، التي تعود بدايتها إلى نحو 13 عاماً.
ودخلت الأزمة طوراً جديداً خلال الساعات الماضية، إذ قررت إدارة الدير إغلاقه أمام الزوار والسياح والحجاج حتى إشعار آخر، فيما بقي الرهبان في داخله، وغادره البدو الذين يساهمون في تنظيم الأنشطة المرتبطة بالزائرين.
وخلال العامين الماضيين، استقبل الدير في المتوسط نحو 800 زائر يومياً من مختلف أنحاء العالم، وقد بلغ عدد زواره عام 2021 قرابة 200,000 زائر.
في أعقاب تفاقم الأزمة، قرر المطران الأنبا ديمتري ساماتزيس دميانوس، رئيس أساقفة الدير، الإقامة موقّتاً في القاهرة، استعداداً للسفر إلى اليونان خلال الأيام المقبلة.
فتنة "الإخوان"
الدير، الذي يعود تاريخه إلى نحو 1500 عام، عاش في وئام وسلام مع بدو جنوبي سيناء، خصوصًا قبيلة الجبالية، كما ارتبط بعلاقات مستقرّة مع الدولة المصرية عبر عصورها المختلفة. حتى في فترة الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، ظلّ الدير مرتبطاً بالدولة المصرية، ورفض رفع العلم الإسرائيلي على أرضه، بحسب وثائق مصرية. لكن الأزمة بدأت بالتفجر مع صعود جماعة "الإخوان المسلمين" وحلفائهم الإسلاميين المتشددين إلى السلطة عقب ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011.
يقول النائب في البرلمان المصري، والمحامي السابق للدير، الدكتور إيهاب رمزي لـ"النهار"، إن الجماعة نجحت آنذاك في استصدار 71 قراراً بإزالة منشآت وكنائس تابعة للدير، باعتبارها "تعديات حديثة على أراضي الدولة".

ويشير رمزي إلى أنه أجرى اتصالات أخيراً بعدد من رهبان الدير في محاولة لطمأنتهم وتقديم مقترحات لحلول قانونية مستدامة، كما طلب التواصل مع الأنبا دميانوس، لكن الرهبان أبلغوه بأن الأخير يعيش في شبه عزلة عن العالم الخارجي، تعبيراً عن حزنه واعتراضه على التطورات الأخيرة.
وأكد رمزي أن "تعهد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالحفاظ على المكانة الدينية للدير أمر يستحق التقدير، وأنا أثق تماماً بالرئيس، لأنه شخصية متّزنة وتحترم الأديان. لكن رهبان الدير، لكونهم أجانب، لا يستوعبون تماماً فكرة الالتزام الشفهيّ مقابل صدور حكم قضائي، ولذلك سعيت إلى توضيح الصورة لهم، ورغبتي قائمة في مساعدتهم على التوصل إلى حلّ قانوني دائم".
ويلفت رمزي، الذي سبق أن حصل على أحكام قضائية بانقضاء الدعاوى ضد الدير لكونه أثراً تاريخياً، إلى أن الأزمة التي فجّرتها جماعة "الإخوان المسلمين" استندت إلى تزييف للوقائع، إذ زعم بعض عناصرها أن الدير بُني في عام 2006، بينما تعود نشأته إلى القرن السادس الميلادي. ويضيف أن "القرارات الـ71 بإزالة منشآت الدير لم تُنفذ، لكنها لم تُلغَ أيضاً، لسبب غير مفهوم".
أثر مصري عالمي
من جانبه، يقول الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار في المجلس الأعلى للثقافة، لـ"النهار"، إن "دير سانت كاترين يخضع لإشراف هيئة الآثار المصرية ممثلة بآثار منطقة جنوبي سيناء، وقد تم تسجيله كأثر بالقرار ذي الرقم 85 لسنة 1993 ضمن آثار العصر البيزنطي".
ويضيف ريحان، الذي ترأس لجنة تسجيل مقتنيات الدير لسنوات، أن "الدير وموقعه ومكتبته يشهدون نهضة أثرية كبرى. وقد تم تسجيل 1043 قطعة من مقتنياته تشمل كفّ القديسة كاترين وأواني كنسية وأيقونات ومخطوطات".

ويشير إلى أن "الدراسات العلمية التي بدأت بعد تسجيل الدير كأثر عام 1993، بالتعاون مع الرهبان، ساهمت في إدراج مدينة سانت كاترين على قائمة التراث العالمي الثقافي لليونسكو عام 2002، نظراً لأهمية الدير الدينية والتاريخية والحضارية".
الحكم القضائي
أما الحكم القضائي المثير للجدل، فقد أصدرته محكمة استئناف الإسماعيلية في 28 أيار/مايو، وقضى بأحقية "تابعي" دير سانت كاترين في الانتفاع بالدير والمواقع الدينية المحيطة به، مع بقاء ملكية الدولة لتلك المواقع.
وأكد الحكم احترام العقود المحررة بين الوحدة المحلية لمدينة سانت كاترين والدير، والخاصة ببعض قطع الأراضي المستغلة بمعرفة "تابعي" الدير، مما ينفي وقوع تعدٍّ على هذه الأراضي، خلافاً لما أدّعاه "الإخوان المسلمين"، والمحاضر التي حررت ضد رئيس الدير في فترة حكمهم، وكانت سبباً باستصدار القرارات التي أشار إليها محامي الدير السابق.
وقضت المحكمة المصرية، كذلك، بأن باقي قطع الأراضي المتنازع عليها تُعدّ محميات طبيعية، وجميعها من أملاك الدولة العامة، ولا يجوز التصرف بها أو تملّكها بالتقادم، ولم تصدر بشأنها أيّ عقود من جانب جهة الولاية.
اتصالات سياسية
في خضم الأزمة، أجرى رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس اتصالاً هاتفياً بالرئيس السيسي. وبحسب بيان رسمي لرئاسة الجمهورية، فإن الاتصال "شهد التأكيد على التزام مصر الكامل بالحفاظ على المكانة الدينية الفريدة والمقدسة لدير سانت كاترين، وعدم المساس بهذه المكانة، وهو ما يرسخه الحكم القضائي (..)، والذي جاء ليتسق مع حرص مصر على قدسية الأماكن الدينية والكنسية، وتأكيد القيمة التراثية والروحية والمكانة الدينية الفريدة لدير سانت كاترين".
سبق ذلك بساعات بيان مماثل من الرئاسة المصرية، أشار إلى ما أكده السيسي خلال زيارته إلى أثينا في 7 أيار/مايو من "أهمية الحفاظ على العلاقات الوثيقة والأخوية التي تربط بين البلدين والشعبين الشقيقين وعدم المساس بها".
كذلك، التقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بسفراء الدول الأوروبية المعتمدين لدى القاهرة، الجمعة، واستعرض بشكل تفصيلي الحكم القضائي بشأن الأراضي المحيطة بدير سانت كاترين.
الحكم والحل
تتمثل الإشكالية الرئيسية بعدم تقبل مسؤولي الدير لفكرة أن الدير لا يملك قانونياً الأراضي التي يعتبرونها جزءاً من تاريخه ومقدّساته، بعد نحو 1500 عام من الوجود المتواصل فيها. وشكّل الحكم الأخير صدمة مؤلمة لهم، بعد سنوات من النزاع القضائي.
ويقول رمزي: "وفقاً للقوانين المصرية والدولية المنظمة للآثار، لا يمكن تمليك أي أثر، لأنه يُعدّ ملكاً للإنسانية جمعاء. وليس حتى للدولة الموجود فيها أن تتصرف به. وإن كان هذا ينطبق على الدير ومقتنياته، فإن ثمة قطعاً من الأراضي والأصول لا تندرج تحت بند الأثر، وقد استُغلّت من قبل الرهبان لعقود أو قرون، ويمكن تقنين أوضاعها بحسب التشريعات المصرية".
ويخلص رمزي إلى أن "الرهبان بحاجة إلى شخصية مصرية تفهم البيئة التشريعية والثقافية للبلاد، يمكنها التوصل إلى حل يقنن أوضاع الأراضي التي ينتفع بها الدير، بما يترجم الوعد الرئاسي إلى ضمانات قانونية تحفظ حقوق الدير التاريخية والمادية".
نبض