السوريون في ليبيا… رواد أعمال وحرفيون ومرتزقة أغلبهم بلا إقامات رسمية
وسط أحد أكبر شوارع العاصمة الليبية طرابلس يقع مطعم "هنا دمشق" الذي يقدم قائمة طويلة من الطعام السوري الشهير، بالإضافة إلى أنواع اللحوم الطازجة، وهو يحظى بإقبال كبير من الليبيين.
رغم انشغال الشاب السوري حمادة الناطور العامل في المطعم بتلبية طلبات زبائنه، يغلبه الحنين إلى وطنه، ويسعى بين حين وآخر إلى مطالعة الأنباء التي تتدفق على القنوات الإخبارية بشأن التطورات المتسارعة في سوريا ورحيل الرئيس السابق بشار الأسد. يسترجع الناطور شريط الذكريات، أيام طفولته وصباه في مدينة درعا (جنوب سوريا)، ومشاركته في التظاهرات التي خرجت تطالب بسقوط نظام الأسد عام 2011، وكيف منعه والداه من النزول إلى الشارع بعدما تطورت الأحداث إلى مواجهات مسلحة، وبسببها قُضي على مستقبله الدراسي، وكيف تدهور حال عائلته المعيشي وتقطعت بها السبل لتنتهي بها الحال للهجرة إلى ليبيا عام 2016. لكن المعاناة أبت أن تنتهي مع هذه المرحلة، إذ وجد النزاع المسلح المشتعل في ليبيا أيضاً في انتظاره. الناطور كان يحلم بالانتقال من ليبيا إلى أوروبا عبر رحلات البحر، وبالفعل تواصل مع أحد سماسرة الهجرة، لكن عدم قدرته على تدبير كلفتها منعه من الانضمام إلى إحدى القوافل المتجهة إلى ساحل جنوب أوروبا. عندها قرر البحث عن عمل وتنقل بين متاجر الليبيين حتى وجد فرصة للانضمام إلى فريق عمال مطعم "هنا دمشق" مع افتتاحه قبل ثلاثة أعوام.
الشاب الذي هرول لمشاركة فرحة مئات السوريين بسقوط نظام الأسد في ميدان الشهداء الرئيسي في العاصمة الليبية، يؤكد لـ"النهار" تطلعه للعودة إلى مدينته درعا ليلتئم شتات عائلته ويستعيد أصدقاء الصبا، لكنه يلفت إلى "غموض المستقبل الذي ينتظر سوريا مع احتمالات عودة النزاعات المسلحة بين الفصائل في مقابل استقرار عائلته في ليبيا وترحيب شعبها". يقول: "فلننتظر ما سيؤول إليه الوضع ونتمنى أن تعمل القيادة الجديدة لمستقبل أفضل لسوريا وشعبها".
حالة الناطور لا تختلف كثيراً عن حالة صديقه باسم الخياط، لكن اعتماد الأخير على حرفته ككهربائي التي تعلمها وأتقنها في سوريا سهلت عليه المعيشة بعد انتقاله إلى ليبيا عام 2018. في البداية كان يجوب شوارع طرابلس عارضاً خدماته على طالبي أعمال توصيل الكهرباء أو صيانة المعطل منها، ومع الوقت بات له اسمه ويطلبه الزبائن، وبعدما جمع ما تيسر من أموال فتح متجراً صغيراً لبيع الأدوات الكهربائية وقطع الغيار في إحدى ضواحي العاصمة الليبية.
يختلف الخياط عن الناطور أيضاً في كون حالته المادية باتت أفضل الآن، كما أن فرص العمل أوسع في ظل توسع ليبيا في مشاريع الإعمار، لكنه يتشوق كثيراً لزيارة بلده ولقاء أفراد عائلته وأصدقائه. ويقول لـ"النهار": "سأظل في ليبيا خلال سنتين إلى ثلاث أترقب خلالها التطورات في سوريا وأدرس أيها أفضل العودة أو البقاء مع زيارة سوريا دورياً".
لا أرقام حقيقية
ولا توجد إحصاءات رسمية عن أعداد السوريين في ليبيا، وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كان هناك قرابة 14500 لاجئ وطالب لجوء من سوريا في ليبيا عام 2020. لكن الناشط الحقوقي حسام قماطي يقدر عددهم الآن بما يقارب 50 ألفاً أغلبهم دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية ولا يملكون أوراق إقامة رسمية، منهم من اعتبر ليبيا محطة عبور إلى أوروبا، وبعضهم استوطنها وينشطون في مجالات اقتصادية عدة في البلاد، بعضهم رواد أعمال نقلوا عملهم واستقروا منذ سنوات والغالبية مهنيون انخرطوا في أعمال تجارية وصناعية، وكل هؤلاء يتمركزون في المدن الرئيسية، كطرابلس ومصراتة في غرب ليبيا وبنغازي بشرقها.
ويلفت قماطي عبر "النهار" إلى أن الفوضى الأمنية التي تعيشها ليبيا مكنت السوريين من الالتفاف على الإجراءات الحكومية وإقامة نشاطات تجارية وامتلاك مساكن ومتاجر من دون امتلاك أوراق رسمية، كما أنهم يتحركون في البلاد بحرية.
ويؤكد قماطي أن "لا مشكلة في المغادرة، فمن يريد العودة إلى سوريا عبر المطارات الليبية لا تنظر السلطات الأمنية الليبية في أوراقه". لكنه يستبعد أن يسارع السوريون في العودة إلى بلادهم لاعتبارين: الأول انهم أقاموا مع عائلاتهم في ليبيا على مدى سنوات وباتت لهم حياة مستقرة، بالإضافة إلى أن الوضع في سوريا ما زال غامضاً، كما أن السلطات الليبية لن تدفعهم إلى الخروج".
المرتزقة أيضاً
ومن بين آلاف السوريين الذين تدفقوا على ليبيا خلال العقد الأخير مئات المسلحين الذين أحضرتهم تركيا وزجت بهم على خط النزاع المسلح الليبي، ويتصدر ملف إجلاء المرتزقة السوريين من ليبيا الملفات الأمنية التي تُبحث على المستويين المحلي والدولي. ويشير قماطي إلى أنه خلال العامين الأخيرين كانت وتيرة إعادتهم بطيئة رغم المعلومات التي كانت تتردد في هذا الشأن. ويقدر عدد المتواجدين الآن في معسكرات في العاصمة طرابلس بنحو 5 آلاف مقاتل، لكنه يتوقع أن تشهد الأيام المقبلة خطوات متسارعة لإعادتهم، فمن جهة بات هؤلاء يمثلون كلفة باهظة على تركيا التي تدفع لهم رواتب بالدولار، كما أنهم ينتمون إلى فصائل مسلحة سورية تحتاج إلى تثبيت وضعها العسكري وتعزيز صفوفها بمقاتلين متمرسين بعد الأحداث المتسارعة هناك واحتمالات نشوب صراعات في المستقبل.
نبض