"خارج حدود العاصمة" يعزز المنتوج الثقافي في مناطق مصر النائية
على مدار عامين، جاب مشروع "خارج حدود العاصمة" المحافظات المصرية بهدف تعزيز الحراك الثقافي خارج القاهرة التي تنعم بزخم ثقافي مستمر، في حين تُحرم منه الأقاليم والمناطق النائية، ففي دولة كبيرة يناهز تعداد سكانها 112 مليون نسمة، وتتعدد فيها الثقافات والخلفيات الاجتماعية، يصبح العمل الثقافي منتوجاً يصعب وصوله عبر شرايين بلد يمتد على مساحة تقدر بنحو مليون كيلومتر مربع.
وانطلق "خارج حدود العاصمة" برعاية معهد غوته (المعهد الثقافي الألماني) في القاهرة عام 2022؛ ويقول القائمون على تنفيذه إنهم وضعوا نصب أعينهم الوصول إلى المناطق المهمشة ثقافياً؛ واستمر العمل عليه طوال عامين حتى اختتم برامجه بثلاث حفلات في مدن أسوان، والمنيا، وبورسعيد نُظمت في تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت.
وأسهم المشروع في دعم الفاعلين الثقافيين، ضمن ثلاثة برامج؛ الأول اهتم بتقديم المنح لأصحاب المشاريع الثقافية، والثاني اعتنى بتقديم تدريبات في فنون الإدارة الثقافية، أما البرنامج الثالث، فكان منصباً على تدريب الصحافيين الثقافيين في المحافظات.
صورة جماعية لمجموعة من المشاركين في مشروع "خارج حدود العاصمة".
مشروعات ثقافية
تقول دعاء علوان، منسقة المشروع بمعهد غوته إن "المشروع استهدف مناطق جغرافية لم يكن الوصول إليها ممكناً من قبل، وذلك بفضل التعاون مع شركاء محليين في برنامج المنح في المحافظات المصرية، الذين ساهموا في إقامة 14 مشروعاً ثقافياً وفنياً متنوعاً في جميع أنحاء مصر".
وتضيف علوان لـ"النهار": "من خلال برنامج المنح الموجهة للمشاريع الفنية والثقافية وصلنا إلى قرى ومراكز بعيدة عن العاصمة في صعيد مصر، ففي محافظة المنيا دعم البرنامج مشروع تياترو الصعيد، الذي يسعى منذ عام 2014، إلى مواجهة مركزية ممارسة الفنون من خلال توفير مساحات بديلة للفنانين، ويقدم المسرح لأبناء المنيا مساحات للعرض، ومعدات مسرحية، وأماكن للتدريب".
ويضاف ذلك إلى مشاريع أخرى، مثل مشروع سرديات الدلتا الذي استهدف تدريب وتعليم المبدعين الشباب في دلتا النيل لتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي المهدد بالاندثار في المنطقة، والدفاع عنه. ويتضمن البرنامج ثلاثة محاور رئيسية هي: الأفلام الوثائقية القصيرة، والبودكاست، والمقالات المدعومة بالصور.
كما ساهم برنامج المنح في دعم مشاريع أخرى متنوعة، مثل: ذاكرة الشاطئ، الذي قدم دروساً في فنون الرقص المعاصر لفتيات محافظة دمياط، ومشروع آخر في أسوان استهدف تعليم الأطفال الفنون السينمائية، ومشروع ضليلة لإحياء صناعة الفخار في سيوة عبر تعليم الأطفال صناعة الخزف.
فرقة السمسمية تحيي أغنيات مدينة بورسعيد التراثية
وفي محافظة البحيرة حظي مشروعان بدعم "خارج حدود العاصمة"، أحدهما تحت اسم "خرائط رشيد"، واستهدف بناء ذاكرة لمدينة رشيد من خلال تتبع تاريخها الشفوي ورسم خريطة جغرافية للمدينة، والثاني "مهرجان كاريكاتير المرأة" المتخصص في فن الكاريكاتير الذي يُسلط الضوء على قضايا المرأة.
منطقة القناة كانت حاضرة أيضاً داخل المشروع؛ من خلال مشروع "السمسمية" الذي عمل على توثيق تراث السمسمية، وهي آلة موسيقية مصرية عتيقة وصلت إلى بورسعيد بالتزامن مع حفر قناة السويس في منتصف القرن التاسع عشر، وتركت تراثاً موسيقياً من الألحان والأغنيات المحلية التي تسكن وجدان سكان مدن القناة، ولا سيّما بورسعيد.
كسر المركزية الثقافية
على الرغم من الحراك الثقافي الذي حققه "خارج حدود العاصمة" في المحافظات، أوضحت دعاء علوان أنه واجه بعض التحديات، أبرزها ندرة المساحات الثقافية والفنية المجهزة، مما دفع القائمين على المشروع إلى اللجوء إلى الفنادق لعقد ورش العمل، أو بذل جهود مضاعفة لتهيئة أماكن بديلة، كإقامة مسرح من العدم، وهو ما كان من الممكن تلافيه لو وفرت الحكومة البنية التحتية اللازمة.
كما أشارت إلى صعوبة التنقل بين المحافظات، حيث كان الانتقال بين المحافظات والقاهرة أسهل من الانتقال بين محافظتين، وهو ما شكّل عائقاً أمام هدف المشروع في كسر المركزية ونقل الفعاليات إلى المحافظات بدلاً من حصرها في القاهرة.
من الحفلة الختامية لمشروع "خارج حدود العاصمة" بمدينة المنيا
بعد عامين من العمل على تنسيق المشروعات الثقافية بين المحافظات، تقترح منسقة "خارج حدود العاصمة" على وزارة الثقافة المصرية الاهتمام باستخدام المساحات الثقافية المتاحة، كقصور الثقافة والمكتبات العامة، وإتاحتها للفاعلين الثقافيين لمساعدتهم في إقامة أنشطتهم.
وكذلك ترى أنه من الأفضل لوزارة الثقافة أن تُصمم برامجها بالتعاون مع الشركاء المحليين في البداية لفهم احتياجاتهم، بدلاً من تصميمها في القاهرة بمعزل عنهم، ثم فرضها على الأقاليم.
وعن مستقبل "خارج حدود العاصمة"، أكدت علوان استمراره، مع التركيز على ورش عمل أكثر تخصصاً في مجالات مثل كتابة السيناريو للأفلام، وتقنيات الإضاءة والصوت في المسارح، وتصميم المعارض. وأشارت إلى أن المشروع قد نجح في بناء شبكة علاقات واسعة تساعده على الاستمرار وتعزيز التعاون وتقديم الدعم الدائم.
نبض