.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
مثلت إجراءات أعلنت سلطة الغرب الليبي تنفيذها وتستهدف بالأساس تقييد حرية المرأة تحت ذريعة "الآداب العامة"، انتكاسة جديدة لنضال نساء هذا البلد منذ عقود لنيل حقوقهن في مجتمع يغلب علية الطابع القبلي، ويتمسك بالأدوار التقليدية للنساء.
وانخرطت نساء ليبيا في النشاط المجتمعي منذ ثلاثينات القرن الماضي، ومثلت أحداث شباط (فبراير) 2011 حافزاً جديداً لإحياء حراكهن، لكن الفوضى الأمنية والانقسامات السياسية التي تعانيها ليبيا منذ ذلك التاريخ قضت على هذه الآمال مبكراً، وفي ظل استقرار نسبي تشهده البلاد خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة عادت الحركة النسائية للبروز مجدداً، لكن هذا النشاط ظل فردياً ولم يصل إلى تشكيل حراك منظم.
وتقود الأكاديمية الدكتورة عائشة العبار فريق مبادرة "حوار ليبي – ليبي جامع" التي تنشط في القواعد الشعبية والقبلية في المدن الليبية كافة، لتجاوز تداعيات الانقسام المؤسسي، والتأسيس لتوافق شعبي يُمهد لمصالحة وطنية واسعة وتطبيق العدالة الانتقالية ليقرر الليبيون مصيرهم بأنفسهم من دون تدخل أجنبي، وفق تعبيرها.
وتوضح العبار، لـ"النهار"، أن مبادرتها التي انطلقت في أيار (مايو) الماضي يضم فريقها الرئيسي عشرة أعضاء، تصفهم بـ"المجاهدين"، ويعمل في المقر المركزي في مدينة بنغازي (ِشرق ليبيا)، لكنّ للمبادرة فروعاً في معظم المدن الليبية وعلى رأسها العاصمة طرابلس، مؤكدة أن مبادرتها "تعتمد على حراك شعبي ورغبة واسعة في تغيير الوضع القائم ولمّ شمل الليبيين، ولا تقف وراءها جهات رسمية".
وتلفت العبار إلى تحديات تواجه تحركها بسبب "عراقيل أصحاب المصلحة في استمرار الانقسام"، لكنها تسعى إلى التغلب على تلك التحديات وتتنقل بين المدن الليبية "لإقامة عدد من الفاعليات والمنتديات بدعم شعبي ومن القبائل الرئيسية بهدف حضور الجميع إلى طاولة حوار وتقريب وجهات النظر، لأننا في النهاية أبناء وطن واحد وليس في ليبيا أقليات أو صراعات طائفية أو مذهبية".
وتتوقع الأكاديمية الليبية مستقبلاً زاهراً للحركة النسوية في البلاد في ظل رغبة محمومة بالمشاركة الفاعلة في المجتمع. وتشير إلى مشاركة واسعة للنساء في الانتخابات البلدية التي أجريت أخيراً، ما مكّن القيادية في مبادرتها زهرة إدريس الحبوني من الفوز بمقعد بلدي في مدينة البردي (أقصى شرق ليبيا والمتاخمة للحدود مع مصر).
لكن النشاط النسوي الملحوظ في السنوات الأخيرة في ليبيا لا يخلو من تحديات عدة تصل إلى حد الانتهاكات، في واقع سياسي وأمني مثقل بالفوضى والارتباك.
الشاعرة الليبية خديجة بسيكري، التي كانت قد أُصيبت بشظايا قذيفة أواخر عام 2017 في مدينة بنغازي ولعبت دوراً نشطاً منذ عام 2011 في ملف حقوق المرأة عبر تأسيسها "المنظمة الوطنية لأمزونات ليبيا"، تشتكي من "نظرة سلبية" على مستوى العالم العربي تجهل تاريخ الحركة النسائية في ليبيا ودورها منذ ثلاثينات القرن الماضي والذي ازدهر في السبعينات. ورغم أنها تُقر بأن هذا الدور تراجع خلال العقد الأخير بفعل الواقع الأمني والسياسي، لا تحمّل مسؤولية ذلك للمجتمع فقط بل لقيادة البلد التي لا تُرحب بمشاركة فاعلة للنساء في صنع القرار. في المقابل تُشير إلى تبوّء النساء مناصب كانت مقتصرة على الرجال في عهد معمر القذافي، إذ تأسست أول كلية عسكرية للنساء، لكن "للأسف تم هدمها"، كما سُمح للمرأة بالجلوس على منصة القضاء، وكان للنساء دور في الصحافة الليبية.
وتوضح بسيكري، لـ"النهار"، أن منظمتها، بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية، معنية بملف دعم المرأة الليبية، وخصوصاً المتزوجات من غير ليبيين، وكذلك مناهضة العنف عبر مكاتب للدعم النفسي للنساء المعنّفات ومكاتب للدعم القانوني، كما تعمل على تدريب النساء على عدد من النشاطات الحرفية لتوفير مصادر دخل لهن. وتضيف أن المنظمة تلعب دوراً أيضاً في تعزيز قدرات النساء على الترشح الانتخابات التشريعية والبلدية وتوعيتهن بأهمية المشاركة في العملية الانتخابية.
أما الكاتبة الليبية رحاب صالح مراجع فتظهر تشاؤماً عميقاً حيال مستقبل الحركة النسائية في ليبيا في ظل ما تتعرض له المرأة من ملاحقات وعنف، وآخر فصوله قرار وزير داخلية الحكومة المركزية عماد الطرابلسي فرض الحجاب على النساء ومنع الاختلاط، ما تدرجه ضمن سياسة "طلبنة ليبيا ودعشنتها".
وتكشف مراجع، لـ"النهار"، تفاصيل الملاحقات والعنف والابتزاز الجنسي الذي تعرضت له، ما أجبرها على هجرة بلدها عام 2017، قائلة إنه تم إطلاق النار على منزلها في شرق ليبيا وإضرام النار في سيارتها من قبل جماعات مسلحة نشطة (في خضم المواجهات ضد تنظيم "داعش". وعندما فرت إلى طرابلس (غرب ليبيا) وجدت أن "نفوذ هذه الجماعات ضارب في مؤسسات العاصمة الليبية"، فتم وقف راتبها ومضايقة ابنتها في المدرسة لمحاولة ابتزازها جنسياً.
ولا تعرف مراجع من هي الجهة النافذة التي تلاحقها، ولا أسباب ما تتعرض له، وما إن كان يعود إلى كتاباتها أو لإجبارها على الزواج. وفي النهاية اضطرت إلى الخروج من ليبيا قبل نحو سبع سنوات، فتنقلت بين دول إقليمية عدة، قبل أن تنتهي بها الحال في قطر، لكنها تلفت إلى أن الملاحقات والتضييق استمرت خارج ليبيا أيضاً "في ظل سيطرة هذه الجماعات على وزارة الخارجية الليبية وسفارتها في الخارج". وتذكر أيضاً أن ابنتها التقت بالصدفة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في الدوحة وقدمت له شكوى بما تتعرض له، وأن السفارة الليبية ترفض تجديد جواز سفرها المنتهي قبل عامين، لكن شكواها "لم تجد آذاناً صاغية".
وتشدد الكاتبة الليبية على أنه "لا وجود لحركة نسائية" في بلدها، "فأي امرأة تُعبّر عن رأيها بحرية تتعرض للاعتقال أو للتهجير... والمنظمات غير الحكومية العاملة في البلاد الآن هامشية وتعمل تحت مظلة السلطة وأوامرها"، محذرة من تفشي ظاهرة الابتزاز الجنسي لنساء ليبيا.
رواية مراجع تدعمها منظمات حقوقية محلية ودولية لطالما سلطت الضوء على مستويات وصفت بـ"المفزعة" للعنف ضد المرأة في ليبيا، كما تؤكدها محامية ليبية تقود منظمة تعمل في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، رفضت ذكر اسمها خشية ملاحقتها من أجهزة أمن العاصمة طرابلس. وتفيد "النهار" بتصاعد وتيرة الانتهاكات ضد نساء ليبيا خلال السنوات الماضية، وهذه المؤشرات بلغت ذروتها بعد التصريحات التي أطلقها الوزير الطرابلسي. وتوضح أنه "خلال العامين الماضيين فرض جهاز الأمن الداخلي قيوداً على حرية سفر النساء عبر مطار العاصمة، إذ اشترط على النساء المسافرات من دون محرم (الزوج أو الأب) تعبئة نموذج خاص يحتوي على كل التفاصيل عن المسافرة وأسباب سفرها من دون مرافق وما إن كانت ناشطة في المجتمع المدني وإلى أي وجهة تتجه، وهذا الإجراء هو انتهاك للقانون الليبي الذي يكفل حرية السفر للنساء وتمييز ضد المرأة".
وتضيف: "رصدنا منذ صدور تصريحات وزير الداخلية زيادة في الانتهاكات ضد النساء عموماً في الشارع الليبي وضد الحركة النسائية والناشطات خصوصاً، إذ يتعرضن للسب والإيذاء، وآخرهن الصحافية الليبية زينب تربُح التي تفاجأت خلال قيادتها سيارتها بمضايقة سيارة أخرى وجه قائدها الشتائم إليها، ما كاد يتسبب في حادث سير". وتقول إنه "حتى على وسائل التواصل الاجتماعي تعرضت زميلة تُدعى مروة سالم لعنف إلكتروني لعدم ارتدائها الحجاب ولكونها ضمن الناشطات في الحركة النسوية. وهناك العديد من حالات الانتهاكات والابتزاز التي تخشى صاحباتها الإفصاح عن تفاصيلها. وأخيراً تعرضت إحدى النساء لإطلاق نار من قبل ’جهاز دعم الاستقرار‘ المحسوب على الأجهزة الرسمية، ما أدى إلى وفاتها. وللأسف النساء بتن لا يشعرن بالأمان في الشارع بعد تصريحات الوزير".
وإذ تلفت المحامية الليبية إلى "توجه نحو عودة المنظومة الأمنية وكبت الحريات العامة وملاحقات العاملات في المجتمع المدني، ما تسبب في خشية بعض النساء على حياتهن"، تشير إلى أن الحركة النسائية في ليبيا "لطالما طالبت باستصدار قانون لمكافحة العنف ضد المرأة، لكن مشروع القانون قابع في أدراج مجلس النواب".
وفي آخر تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في نيسان (أبريل) الماضي، لفتت إلى أن الصراع السياسي الذي يشهده هذا البلد منذ عام 2014 كانت له تداعيات سلبية على تمتع النساء بحقوقهن الإنسانية، إلى جانب انتشار الميليشيات المسلحة، بما فيها تلك التي تعتنق الأيديولوجيات السلفية التي تفرض قيوداً على حقوق النساء والفتيات، لافتة إلى أن التمييز والعنف بحق النساء مستشريان في البلاد. وقد وثقت المنظمة حالات اغتصاب وأشكالاً أخرى للعنف الجنسي ضد النساء، فيما تتقاعس السلطة عن منع العنف الذي تتعرض له المرأة من جانب عناصر الميليشيات.