لماذا تتمسّك روسيا بقواعدها في سوريا رغم سقوط الأسد؟

المشرق-العربي 03-11-2026 | 08:40

لماذا تتمسّك روسيا بقواعدها في سوريا رغم سقوط الأسد؟

بعد سقوط الأسد، تتمسّك روسيا بقاعدتي حميميم وطرطوس في سوريا. ما مصالح موسكو العسكرية والاقتصادية، وماذا تريد دمشق مقابل استمرار الوجود الروسي؟
لماذا تتمسّك روسيا بقواعدها في سوريا رغم سقوط الأسد؟
عناصر من القوات الروسية قرب آلية عسكرية في ميناء طرطوس غربي سوريا، في 16 كانون الأول/ديسمبر 2024. (أ ف ب)
Smaller Bigger

 

سقط نظام بشار الأسد، لكن روسيا بقيت في قواعدها العسكرية في سوريا. وبعد نحو عامين، تتفاوض موسكو مع دمشق على مستقبل قاعدتي حميميم وطرطوس، رغم تقلّص حضورها العسكري وتبدّل موازين القوى. فما الذي يدفع روسيا إلى التمسّك بقواعدها السورية، وما الذي يمكن أن تكسبه حكومة الرئيس أحمد الشرع من استمرار هذا الوجود؟

 

تتجاوز حسابات موسكو الاحتفاظ بمنشآت عسكرية على الساحل السوري، لتشمل موقعها في شرق البحر المتوسط، وخطوط إمداد قواتها في أفريقيا، ونفوذها في معادلات المنطقة. وفي المقابل، تبحث دمشق عن مكاسب عسكرية واقتصادية، وسط تنامي دور تركيا وتوسع الانخراط الأميركي والعربي. وهي مصالح متقاطعة قد تحدد شكل العلاقة السورية–الروسية في المرحلة المقبلة.

 

القواعد وحسابات الكلفة

يرى مدير مركز JSM للأبحاث والدراسات آصف ملحم أن هناك مبالغة في تقدير حاجة روسيا إلى قواعدها السورية، مستدلاً بفتور العلاقات بين البلدين منذ سقوط الأسد. ويؤكد لـ"النهار" أن موسكو قد تتخلى عن هذه المنشآت إذا تجاوزت كلفة الاحتفاظ بها الفوائد التي تحققها.

 

 

ويشرح أن حميميم وطرطوس تؤديان أساساً وظائف لوجستية تتعلق بالصيانة والتخزين ودعم القوات الروسية العاملة في أفريقيا، بعدما تراجعت أهميتهما في العمليات القتالية. ويشير إلى أن موسكو سحبت قسماً من طائراتها وصواريخها ومعداتها، وأن اعتماد الإمدادات البحرية على ممرات لا تتحكم بها روسيا يفرض قيوداً على القيمة الاستراتيجية للقواعد.

 

ومع ذلك، لا يستبعد ملحم استخدام المنشآت الروسية مستقبلاً لدعم النشاط التجاري، وخصوصاً عبر ميناء طرطوس، في ظل استمرار التبادل التجاري بين البلدين.

 

وفي قراءته للتوازنات الخارجية، يعتبر أن تركيا ودولاً أوروبية تضغط لإنهاء الوجود الروسي، فيما تميل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ودول عربية، وفق تقديره، إلى استمراره باعتباره عاملاً للتوازن بين القوى المنخرطة في الملف السوري.

 

وتأتي هذه التقديرات بعدما أعادت مذكرة التفاهم المعلنة في 9 آب/أغسطس تحديد وظائف المنشآت الروسية، بينما واصلت موسكو إمداد مواقعها الساحلية، ووصلت قافلة بحرية روسية إلى طرطوس في أيلول/سبتمبر. كذلك احتفظت بدور اقتصادي مؤثر، بعدما أصبحت المورد الرئيسي للنفط الخام إلى سوريا خلال العام الجاري.

 

برج مراقبة عسكري روسي في قاعدة حميميم الجوية بمحافظة اللاذقية السورية، في 19 كانون الأول/ديسمبر 2024. (أ ف ب)
برج مراقبة عسكري روسي في قاعدة حميميم الجوية بمحافظة اللاذقية السورية، في 19 كانون الأول/ديسمبر 2024. (أ ف ب)

 

مصالح تتجاوز الأنظمة

من جهته، يصف الخبير في الشؤون الروسية محمود الأفندي العلاقة بين البلدين بأنها "قدرية"، تفرضها المصالح الاستراتيجية والجغرافيا، بصرف النظر عن طبيعة الأنظمة الحاكمة.

 

ويعتبر في حديث إلى "النهار" أن روسيا تحتاج إلى سوريا للحفاظ على حضورها السياسي والعسكري في الشرق الأوسط وشرق المتوسط. وفي المقابل، يرى أن دمشق تحتاج إلى الشراكة الروسية لمواجهة التهديدات الإسرائيلية، انطلاقاً من اعتقاده أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تعارض قيام دول قوية على حدودها، وأن الغرب لن يساعد سوريا على بناء قوة عسكرية كبيرة.

 

ويقر الأفندي بأن موسكو خسرت بسقوط الأسد معركة سياسية مع الغرب بشأن مسار الانتقال في سوريا، لكنه يشدد على أنها احتفظت بمصالحها الاستراتيجية.

 

وتتمثل أبرز الأوراق الروسية، بحسب الأفندي، في التسليح والتدريب والخبرات العسكرية، إلى جانب إمكان المساهمة في مشاريع البنية التحتية، من السدود إلى السكك الحديدية. ويشير إلى أن القدرات الاقتصادية الروسية لا تتيح لموسكو تقديم مستويات مرتفعة من الدعم المالي لشركائها، فيما يبقى التعاون العسكري مجال تفوقها الأبرز.

 

أما المقابل الذي تبحث عنه موسكو، فيتمثل في الحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري، أو ضمان حياد دمشق في الصراع بين روسيا والغرب. ويرى الأفندي أن روسيا لا تحتاج بالضرورة إلى دول تتحالف معها، بقدر حاجتها إلى دول لا تنحاز ضدها.

 

موسكو والتوازنات الإقليمية

تكتسب هذه الحسابات أهمية إضافية مع احتدام التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا، والذي ظهر بوضوح مع القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور العسكري في آب، على خلفية الخلاف بشأن احتمال انتشار قوات تركية فيه.

 

ويرى الأفندي أن الوجود الروسي قد يوفر هامشاً إضافياً لضبط التوازنات الأمنية، وأن إسرائيل تستطيع الاستفادة من قنواتها مع موسكو في إدارة التوتر مع دمشق، فيما يتحدد الموقف الأميركي وفق تأثير هذا الحضور في مصالح واشنطن.

 

ويتوقع أن تتطور العلاقات السورية–الروسية بصورة أفضل مما كانت عليه في عهد الأسد، مع انتقالها إلى تفاهمات تقوم على المصالح المتبادلة. فدمشق، وفق قراءته، تستطيع الاستفادة من موسكو عسكرياً واقتصادياً من دون تبني مواقفها الدولية، بينما تحتفظ روسيا بحضورها الاستراتيجي من دون تحمل أعباء التحالف السابق.

 

وتكشف المفاوضات الجارية أن مستقبل القواعد الروسية أصبح مرتبطاً بقدرة موسكو على تقديم مكاسب عسكرية واقتصادية لدمشق، وباستعداد الأخيرة لمنحها موقعاً في الترتيبات الأمنية الجديدة. وبين حاجتها إلى شركاء متعددين ورغبتها في توسيع هامش قرارها، تمتلك القيادة السورية اليوم قدرة أكبر على التفاوض بشأن شروط الوجود الروسي، بعدما كانت موسكو صاحبة الدور الحاسم في حماية النظام السابق.

 

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 11/1/2026 7:02:00 PM
مشاهد لاتصال بين الرئيس السوري أحمد الشرع وآخر رئيس حكومة في عهد الأسد تكشف ترتيبات حماية مؤسسات الدولة وطمأنة السكان خلال الساعات الفاصلة قبل دخول المعارضة دمشق.
أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.
لبنان 11/1/2026 12:00:00 PM
معلومات "النهار" تشير إلى أن ممراً سريعاً داخل قاعة جديدة في مطار بيروت الدولي بات في مراحل تشييده الأخيرة، ويُتوقع أن تدخل هذه الخدمة حيز التنفيذ في غضون اسابيع .