الأردن والحكومة الإسرائيلية الجديدة... ترقب بلا تفاؤل
د. نادية سعد الدين*
لا تحمل نتائج الانتخابات الإسرائيلية بشائر محمودة في نظر الأردن. فهي أشبه بلعبة تبادل أدوار منتقاة بين اليمين الديني المتطرف واليمين الأمني المتشدد، داخل مجتمع استيطاني ينحو صوب مزيد من الغلو والتعصب، ما يجعله بيئة طاردة للتهدئة والسلام، وجاذبة لمزاعم استكمال المشروع الصهيوني التوسعي في فلسطين المحتلة والمنطقة.
حكومات مختلفة... نهج واحد
وأمام محدودية المسارات المحتملة لتشكيلة الحكومة المقبلة عقب إخفاق الكتلتين المتنافستين في حصد الأغلبية البرلمانية (61 مقعداً من إجمالي 120)؛ فإن الأردن الرسمي لا يبدي تفاؤلاً كبيراً بحدوث تغيير جذري في السياسات الإسرائيلية العامة تجاه الاستيطان والقدس و"حلّ الدولتين"، حيث ستبقى الاستراتيجية الصهيونية ثابتة مع اختلاف في أسلوب الإدارة والتنفيذ فقط، سواء نجح معسكر غادي آيزنكوت، رئيس حزب "يشار"، في تشكيل حكومة بمشاركة أحزاب عربية بعد معالجة تحدياتها، أو انضم إلى "حكومة وحدة وطنية" مع "الليكود" بزعامة بنيامين نتنياهو بدعم إقليمي دولي ستكون محفوفة بالقيود، أو استطاع الأخير إقناع نواب أو أحزاب من الوسط والمتدينين في "المعارضة" بالانشقاق لتأمين المقاعد الثمانية المتبقية وتشكيل حكومة يمينية ضيقة وهشة (الأقل احتمالاً) ستحمل مخاطر تصعيدية بالغة للمنطقة، أو حدوث شلل بالمفاوضات والذهاب نحو انتخابات مبكرة جديدة لا تحبذها أطراف المعادلة السياسية الراهنة.
خيارات عمّان الصعبة
وبذلك تكون المفاضلة غير يسيرة؛ فالخيار الأفضل بالنسبة للأردن ليس نابعاً من التفاؤل بفرص تحقيق السلام، بل من مبدأ "تقليل الأضرار وحفظ الاستقرار"، وقد يجده في "حكومة الوحدة" الأكثر واقعية؛ لأنها تضمن إقصاء وزراء اليمين الفاشي، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين يمثلون الكابوس الأكبر للديبلوماسية الأردنية بسبب مخططهم التهويدي والتقسيمي للمسجد الأقصى المبارك وتصريحاتهم المستفزة للمملكة، أسوة بمزاعم "الوطن البديل" و"التهجير".
ولربما يمنح ذلك للأردن شريكاً في الكيان الإسرائيلي لطالما أراده للتحاور معه وإنهاء حالة الجمود السياسي القائمة منذ فترة طويلة، سبيلاً لإعادة تفعيل القنوات الديبلوماسية التي تضررت كثيراً خلال حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة. كما أن حكومة الوحدة ستحظى بغطاء دولي مريح في ظل الدفع الإقليمي والدولي، لا سيما الولايات المتحدة، لجهة تشكيلها، وهو الأمر الذي قد يتيح لعمّان بالتعاون مع واشنطن ضبط سلوك الحكومة الجديدة ومنعها من اتخاذ قرارات تمس أمن المنطقة.
ولا يبتعد معسكر آيزنكوت أيضاً عن تلك المعادلة؛ حيث تسود قراءة داخل دوائر صنع القرار الأردني بأن هذا المسار لربما يكون خياراً جيداً، بسبب انتمائه للمدرسة العسكرية والأمنية الصهيونية التقليدية التي تقودها قيادات سابقة من جيش الاحتلال وجهاز "الشاباك" تؤمن بأن استقرار الأردن وتنسيقه الأمني مع الكيان الإسرائيلي يعتبر مصلحة استراتيجية عليا لأمنه.
كما يميل هذا المعسكر، في المنظور الرسمي الأردني، إلى احترام معاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية (1994) وتجنب تفجير الأوضاع في الضفة الغربية، بما قد يفتح قنوات حوار معه لوقف تنفيذ مخطط "الضم" والتهجير القسري للفلسطينيين. رغم أن هذا التيار لا يؤمن أبداً بتقديم تنازلات سياسية للفلسطينيين، ويرفض إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، ويدفع باتجاه التوسع الاستيطاني، بينما اختلافه الدائر مع التيار اليميني الديني المتطرف ينحصر فقط في إطار رفض البؤر الاستيطانية التي يراها "غير قانونية ولا بد من شرعنتها"!.
ويُلاحظ أن التحول الأكثر لفتاً للانتباه أردنياً يتمثل في القوة البرلمانية العربية (19 مقعداً) التي جعلت منها "كتلة مانعة" قادرة على كبح جماح تشكيل حكومة يمينية متطرفة ضيقة، مع غياب التفويض المطلق لليمين المتطرف، بما يمنحان الديبلوماسية الأردنية مساحة للمناورة السياسية بالتعاون مع الحلفاء الدوليين، لتثبيت خطوطه الحمراء وضمان ألا تنعكس أزمات الكيان المحتل الحزبية على أمن واستقرار المنطقة.

الخطوط الحمراء الأردنية
وأياً تكن هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة؛ فإن الأردن الرسمي يتعاطى مع تلك المخرجات بناء على المصلحة الوطنية الأردنية العليا إزاء ملفات حيوية تُعد خطوطاً حمراء بالنسبة إليه؛ وفي مقدمتها، أولاً، الرفض القاطع للمساس بالوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة ولأي محاولات لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى. ثانياً، معارضة مخطط "ضم" الضفة الغربية والوقوف بحزم ضد مساعي تهجير الفلسطينيين (الترانسفير) لما يشكله من تهديد مباشر للأمن القومي الأردني. ثالثاً، التمسك بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس المحتلة، باعتباره خياراً استراتيجياً وحيداً لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
ولعل المفارقة الكبرى هنا أن تلك الثوابت الأردنية تُعد منطلقات رفض صهيونية بمختلف التيارات اليمينية والدينية واليسارية. ومع ذلك، قد ينتهج الأردن استراتيجية "الواقعية السياسية" مع أي صيغة للحكومة المقبلة؛ فرغم التحفظات الكبيرة على الشخصيات اليمينية المهيمنة، تظل القنوات الديبلوماسية محكومة بمعاهدة السلام وبالمصلحة الوطنية الأردنية العليا، مع الضغط المستمر لحماية حقوق الفلسطينيين وحفظ المصالح الاستراتيجية للمملكة.
*أكاديمية وباحثة في العلوم السياسية، مديرة تحرير في جريدة "الغد"
نبض