قمة الشرع - الزيدي في دمشق... منفذ نفطي على المتوسط وتنسيق أمني
وضعت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق، ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع، العلاقات بين بغداد ودمشق أمام مرحلة جديدة، تتصدرها ملفات النفط وأمن الحدود والتبادل التجاري والتعاون الزراعي. ففي ظل التحولات الإقليمية والتحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه البلدين، تبرز أهمية الزيارة في مدى قدرة الجانبين على تحويل التقارب السياسي إلى شراكة عملية، تستند إلى المصالح المشتركة وتفتح مسارات أوسع للتعاون.
وتكتسب المباحثات أهمية خاصة بالنظر إلى تشابك المصالح العراقية والسورية، من إدارة الحدود ومواجهة التهديدات العابرة لها، إلى تنويع منافذ تصدير النفط وتعزيز التجارة والأمن الغذائي. وهي ملفات يرتبط التقدم فيها باستقرار البلدين، وبقدرتهما على تجاوز العقبات الفنية والأمنية والسياسية التي تعترض تنفيذ المشروعات المشتركة.
وفي هذا السياق، حمل تأكيد الزيدي أن الشعبين العراقي والسوري "شعب واحد في بلدين" رسالة سياسية تعكس الرغبة في توظيف الروابط التاريخية والاجتماعية لتعزيز الشراكة الاقتصادية والأمنية. كما أظهر تشديده على توحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، والعمل لتحقيق السلام والاستقرار، اهتمام بغداد بتوسيع التنسيق مع دمشق في مرحلة تتداخل فيها التحديات الداخلية مع التوازنات الإقليمية.
وكان الزيدي قد عقد، فور وصوله إلى دمشق، اجتماعاً مع الشرع، أعقبته مباحثات موسعة بين وفدي البلدين تناولت ملفات استراتيجية واقتصادية وأمنية. وفي مقابل تأكيد رئيس الوزراء العراقي أهمية تطوير التعاون، عبّر الرئيس السوري عن تقديره للزيارة، مشدداً على عمق العلاقات الثنائية وحرص بلاده على بلوغ أعلى مستويات الشراكة مع العراق.
وتعكس هذه المواقف توجهاً مشتركاً نحو توسيع قنوات التواصل السياسي ومعالجة الملفات العالقة، فيما تبقى النتائج مرتبطة بطبيعة التفاهمات التي ستترجم إلى خطوات قابلة للتنفيذ.
بانياس... طموح نفطي
يتصدر ملف تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس الجانب الاقتصادي من المباحثات، مع طرح طاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يومياً، في مشروع يحمل أهمية استراتيجية لبغداد، الساعية إلى تنويع منافذ تصدير نفطها وتوسيع خيارات الوصول إلى الأسواق الخارجية عبر البحر المتوسط.
وتنبع أهمية هذا المسار من إمكان تقليص الاعتماد على منافذ تصدير محدودة، ومنح العراق مرونة أكبر في إدارة صادراته النفطية، فضلاً عن الفرص التي قد يفتحها أمام التعاون مع سوريا في قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية.
لكن الطموح النفطي يصطدم بتحديات التنفيذ. فإعادة تفعيل مسار بانياس تستدعي معالجة الجوانب الفنية والتشغيلية والاستثمارية، والاتفاق على آليات واضحة للتمويل والتنفيذ، إلى جانب تحديد الجداول الزمنية والضمانات الأمنية والتجارية اللازمة.
ومن هنا، تتجاوز أهمية مناقشة المشروع قدرته التصديرية المعلنة إلى ما يمكن أن ينتج من تفاهمات عملية تتيح الانتقال إلى التنفيذ. فنجاح هذا المسار من شأنه أن يمنح التعاون العراقي السوري بعداً اقتصادياً طويل الأمد، ويربط مصالح البلدين بمشروع استراتيجي مشترك.
التجارة والأمن الغذائي
إلى جانب النفط، برزت زيادة التبادل التجاري بوصفها إحدى الأولويات الاقتصادية للزيارة، في ظل ما يتيحه القرب الجغرافي والامتداد الاجتماعي بين البلدين من فرص لتوسيع حركة السلع والمنتجات.
وفي هذا الإطار، يضع عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي مختار الموسوي، في حديث إلى "النهار"، تنشيط التجارة البينية ضمن المسارات الأساسية لتعزيز العلاقات، لما يوفره من فرص أمام القطاعات الإنتاجية والتجارية في العراق وسوريا.
وتقوم هذه الفرص، وفق الموسوي، على توسيع منافذ تسويق المنتجات، وتسهيل انتقال البضائع، وتطوير خدمات النقل والإمداد، بما يسمح بالاستفادة من الإمكانات الاقتصادية المتاحة لدى الجانبين.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يتوقف على معالجة المعوقات التي تعترض حركة التجارة، ولا سيما الإجراءات الجمركية والحدودية، إلى جانب توفير بيئة مستقرة وآليات واضحة لتنظيم المبادلات التجارية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ضوء حاجة البلدين إلى تحويل التقارب السياسي إلى حركة اقتصادية منتظمة، تستطيع الأسواق والقطاعات الإنتاجية الاستفادة منها بصورة مباشرة.
ويمتد التعاون المطروح إلى القطاع الزراعي، الذي حظي بحضور في المباحثات، انطلاقاً من الحاجة إلى تعزيز التكامل الغذائي والاقتصادي، وتطوير الإنتاج المحلي، وتبادل الخبرات والمنتجات الزراعية.
وفي قراءة الموسوي، يمكن لهذا المسار أن يفتح فرصاً لتنسيق أوسع في الإنتاج والتسويق والتخزين وسلاسل الإمداد، شرط اقترانه ببرامج تنفيذية واضحة تضمن استمراريته.
ويكتسب التعاون الزراعي بعداً اقتصادياً ومعيشياً، بالنظر إلى ارتباط الأمن الغذائي باستقرار الأسواق وقدرتها على مواجهة التقلبات التي تؤثر في توافر المواد الغذائية وأسعارها. كما يتيح للبلدين الاستفادة من مواردهما وإمكاناتهما المتاحة، بما يدعم الإنتاج المحلي ويعزز قدرتهما على التعامل مع التحديات المشتركة.
وبذلك، تبدو التجارة والزراعة مجالين قابلين لتوسيع المصالح المتبادلة، فيما تظل إزالة العقبات الحدودية والإدارية وتطوير آليات التعاون من الشروط الأساسية لتحقيق نتائج ملموسة.

أمن الحدود والتهديدات
على الضفة الأمنية، تفرض الحدود العراقية السورية نفسها بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين، في ظل التهديدات المشتركة والحاجة المستمرة إلى منع استغلال المناطق الحدودية للإضرار بأمنهما واستقرارهما.
ويمنح هذا الواقع التنسيق الأمني أهمية تتجاوز الإجراءات الحدودية التقليدية، ليرتبط بتبادل المعلومات ومواجهة نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، والتعامل مع المخاطر العابرة للحدود.
ويشير الموسوي إلى أن التعاون الأمني يشكل محوراً أساسياً في المباحثات العراقية السورية، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية وتبادل المعلومات اللازمة لمواجهة التهديدات المشتركة.
وتبرز أهمية هذا التعاون، بحسب عضو لجنة العلاقات الخارجية، في أن التحديات الأمنية لا تتوقف آثارها عند حدود أي من البلدين، ما يجعل التواصل المباشر وتنسيق الإجراءات ضرورة لحماية المصالح المتبادلة والحد من المخاطر التي تواجه المناطق الحدودية.
وفي الوقت نفسه، يرتبط تطوير هذا المسار بمراعاة سيادة العراق وسوريا ومتطلبات أمنهما الوطني، بما يتيح بناء تعاون أمني يستجيب لطبيعة التهديدات من دون المساس باستقلالية القرار لدى أي منهما.
ومن شأن تعزيز قنوات الاتصال بين المؤسسات الأمنية أن يوفر قدرة أكبر على التعامل مع التطورات الميدانية ومواجهة المخاطر المشتركة، خصوصاً أن استقرار الحدود ينعكس على حركة التجارة والنقل وفرص التعاون الاقتصادي.
التفاهمات السياسية إقليمياً
أما سياسياً، فتأتي الزيارة في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى تنسيق المواقف بين بغداد ودمشق إزاء التطورات الإقليمية، وتحديد مساحات التفاهم بشأن القضايا التي تتقاطع فيها مصالح البلدين.
ويكتسب الحوار المباشر بين الزيدي والشرع أهمية في هذا السياق، باعتباره فرصة لتعزيز التواصل الرسمي وتبادل الرؤى بشأن التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تفرضها المتغيرات المحيطة.
ويرى الموسوي أن استمرار التواصل بين القيادتين يمكن أن يسهم في بناء أرضية مشتركة للتعامل مع هذه التحديات، ويفتح المجال أمام تنسيق أوسع في الملفات ذات التأثير الإقليمي، إلى جانب دعم الاستقرار وتعزيز العلاقات الثنائية.
وتحمل الدعوة إلى توحيد المواقف، التي برزت خلال المباحثات، دلالة على الرغبة في تطوير مستوى التنسيق الدبلوماسي، مع بقاء مساحة لاختلاف التقديرات والمواقف حيال بعض القضايا.
وتتصل أهمية هذا المسار بقدرة بغداد ودمشق على إدارة الملفات المشتركة بصورة أكثر انتظاماً، والتعامل مع تداعيات التطورات الإقليمية من خلال قنوات اتصال مباشرة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني لكل منهما.
تبقى النتائج العملية المعيار الأهم لقياس نجاح زيارة الزيدي إلى دمشق. فالتفاهمات المتعلقة بالنفط والتجارة والزراعة والأمن تحتاج إلى اتفاقات واضحة وآليات متابعة وجداول زمنية تحول دون بقائها في حدود التوجهات السياسية المعلنة.
وتعكس مواقف الزيدي والشرع رغبة مشتركة في تطوير العلاقات، لكن الانتقال إلى شراكة أكثر تكاملاً يرتبط بقدرة المؤسسات المعنية على معالجة العقبات الفنية والإدارية والأمنية، وتحديد أولويات قابلة للتنفيذ.
وفي هذا الإطار، يشكل خط بانياس اختباراً للقدرة على إطلاق مشروعات استراتيجية، فيما يمثل تنظيم التبادل التجاري وتطوير التعاون الزراعي فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة. أما التنسيق الأمني والسياسي، فيبقى عاملاً أساسياً لتوفير البيئة المستقرة التي تحتاج إليها هذه المشروعات.
وعليه، تتحدد أهمية محطة دمشق بما يليها من خطوات، ومدى قدرة بغداد ودمشق على بناء تعاون مستدام يجمع بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية، ويمنح التقارب السياسي مضموناً عملياً يحافظ على سيادة البلدين ويسهم في تعزيز استقرارهما.
نبض