من أفغانستان إلى كنيسة حمود... كيف تغيّر خطر التكفير في الأردن؟
عاد ملف مواجهة الدولة الأردنية للفكر التكفيري إلى الواجهة، على وقع الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة تسعة أشخاص وأصابت نحو أربعين آخرين، بعدما فتح مسلحون النار على مشيّعي جنازة سيدة مسيحية في كنيسة حمود بمحافظة الكرك، جنوبي الأردن.
وفي أعقاب الجريمة، تعالت أصوات الأردنيين المطالبة بتكثيف الجهود وتطوير أدوات مواجهة الفكر التكفيري في المجتمع، في وقت شدد فيه رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان، خلال جلسة لمجلس الوزراء، على ضرورة مواصلة الجهود وتكثيفها لاجتثاث الفكر التكفيري والتطرف من جذورهما، مؤكداً أنه لا مكان لهما في الأردن ومجتمعه، وأن مواجهة هذه الأفكار معركة وعي وفكر تتجاوز الجانب الأمني.
وبرز أصحاب الفكر التكفيري في الأردن مطلع تسعينيات القرن الماضي، مع بدء عودة أعداد من الأردنيين الذين التحقوا بقتال القوات السوفياتية في أفغانستان تحت "راية الجهاد". وشهد هذا الفكر محطة ثانية مهمة مع ظهور تنظيم القاعدة في العراق، ثم محطة ثالثة مع اندلاع الثورة في سوريا وصعود تنظيم "داعش".
أبرز محطات الفكر التكفيري
في هذا السياق، يقول الصحافي المتخصص في قضايا الإرهاب والشؤون الأمنية موفق كمال لـ"النهار" إن حَمَلة الفكر التكفيري في الأردن أسسوا، بعد عودتهم من أفغانستان، تنظيمات إرهابية، من بينها تنظيم "بيعة الإمام"، وحاولوا تنفيذ عمليات داخل المملكة. ويضيف أن الدولة الأردنية بدأت حينها التصدي لهذا الفكر، وكانت من أوائل الدول التي نبّهت إلى خطر هذه التنظيمات.
ويوضح كمال أن "الجيل العائد من أفغانستان قاد المحطة الثانية من محطات الفكر التكفيري في الأردن، التي بدأت عام 2003 بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق وظهور تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي، الأمر الذي انعكس على ظهور مجموعات تكفيرية في الأردن مرتبطة بالتنظيم، ونفذت ما عُرف بتفجيرات فنادق عمّان عام 2005، التي أدت إلى مقتل وإصابة المئات".
أما المحطة الثالثة، بحسب كمال، فبدأت عام 2011 مع اندلاع الثورة السورية والتحاق أعداد كبيرة من الأردنيين بصفوف المقاتلين ضد قوات نظام بشار الأسد. وأعقب ذلك ظهور تشكيلات إرهابية نفذت عمليات داخل الأردن، خصوصاً منذ عام 2015، وشهد عام 2016 اعتداءات ومواجهات في إربد ومخيم الركبان والكرك، قبل أحداث السلط عام 2018.
وبشأن جريمة كنيسة حمود، يرى كمال أنها تشكل نمطاً جديداً من الإرهاب، خصوصاً أنها، بحسب قوله، المرة الأولى التي تُستهدف فيها دور عبادة في الأردن، ما يضاعف الجهد الأمني المطلوب للتعامل مع التهديدات والمخاطر قبل وقوعها.
ويشدد في الوقت ذاته على أن الأجهزة الأمنية الأردنية تتمتع بخبرة ومهارة عاليتين، كونها من أوائل الأجهزة التي تعاملت مع ملف التنظيمات الإرهابية، وراكمت خبرات واسعة في مواجهتها.
الأردن يخوض مواجهة مفتوحة
من جهته، يرى الوزير الأسبق وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية فيصل الرفوع، في حديث لـ"النهار"، أن "الأردن يخوض مواجهة مفتوحة مع الفكر المتطرف والتكفيري، الذي يعد أحد أعقد التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، إذ تجاوز خطره التنظيمات الهرمية التي يمكن تقويضها عسكرياً، وتحول إلى خلايا كامنة وأفكار تنتشر عبر الفضاء الرقمي والشبكات الاجتماعية".
ويؤكد أن لا دولة في العالم بمنأى عن خطر وقوع عمليات إرهابية على أراضيها، لكن الأهم هو وجود تدابير متكاملة ومستمرة للحد من هذا الخطر وتضييق الخناق على الجهات التي تقف وراءه، مشيراً إلى أن الأردن قطع شوطاً مهماً في مواجهة التيارات المتشددة وكسر شوكتها.
ولدى سؤاله عن سبل مواجهة هذا الفكر، يجيب الرفوع أن "الحلول الأمنية، رغم ضرورتها، لا تكفي وحدها لاستئصال هذا الفكر من جذوره، إذ تتطلب المواجهة الحقيقية مقاربة فكرية واجتماعية شاملة، ترتكز على محورين أساسيين: الأول التعليم الجاد، والثاني البيئة المحيطة بالفرد، مع تحديد أدوار تكاملية واضحة للأسرة والمدرسة ودولة المؤسسات".
ويعتبر أن "رحلة التحصين تبدأ من فهم أهمية التعليم والبيئة في صياغة الهوية النفسية والفكرية للإنسان، فالتعليم الحديث يتجاوز محو الأمية التقليدية، ويشكل حجر الأساس في غرس مهارات التفكير النقدي التي تمكّن الشباب من تمييز الحقائق وتفكيك خطابات الكراهية والتشكيك في الروايات المتطرفة".
ويشير الرفوع إلى أن "هذا التعليم يتكامل مع البيئة المجتمعية المستقرة التي تسودها قيم العدالة وتكافؤ الفرص، فكلما كانت البيئة إيجابية وحاضنة، تراجعت مشاعر التهميش والإحباط، وهي المشاعر التي تشكل تاريخياً التربة الخصبة التي تستغلها الجماعات التكفيرية لاستقطاب الأفراد".
كما يشدد على أهمية "دور الأسرة بوصفها خط الدفاع الأول وحائط الصد الأهم لحماية الأبناء، وكذلك مسؤولية المدرسة والجامعة، إضافة إلى الدور الأبرز الذي يقع على عاتق الدولة ومؤسساتها المختلفة، من خلال وضع استراتيجيات وطنية شاملة وإدارتها".
تماسك الجبهة الداخلية
وفي حديثه لـ"النهار"، يؤكد مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، الأب الدكتور رفعت بدر، أن "تماسك الجبهة الداخلية الأردنية والوحدة الوطنية يشكلان سياج الوطن المنيع والكنز الثمين الذي يعتز به كل مواطن أردني".
ويشدد على أن "الوحدة الوطنية تمثل قيمة كبرى تجمع الأردنيين، مسلمين ومسيحيين"، مؤكداً أنهم "عاشوا معاً عبر التاريخ، وأن جذورهم متأصلة في أرض الوطن، وسيواصلون العيش المشترك في مختلف الظروف، في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة".
ويشير الأب بدر إلى أن "الملك عبد الله الثاني أكد في خطابه أمام الأمم المتحدة أهمية حماية الوجود المسيحي في أرضه والدفاع عن صورة الإسلام الحقيقي"، موضحاً أن "هاتين المسألتين تشكلان محوراً أساسياً في الموقف الأردني تجاه قضايا المنطقة".
ويضيف أن "ما ارتُكب في حادثة الكرك لا يمثل أي دين، ولا يعبّر عن الإسلام الحقيقي، وأن مثل هذه الأعمال الإجرامية تستوجب الشجب والإدانة"، لافتاً إلى أن "التضامن الإسلامي - المسيحي يجسد التمسك برسالة الأردن القائمة على التآخي والتماسك الوطني".
ويوضح الأب بدر أن "الحفاظ على الوجود المسيحي العربي في موطنه، ورفض تخلي أي طرف عن الآخر، إلى جانب الدفاع عن صورة الإسلام الحقيقي، تمثل مسؤولية مشتركة تسهم في تعزيز وحدة الأردنيين وتماسكهم في مواجهة التطرف والإرهاب".
نبض