بالفيديو: الحرب تدمّر أشجار النخيل في غزة... وخسائر بالمليارات
غزة – أحمد زقوت
لم تقتصر خسائر الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة على تدمير الأراضي الزراعية وتراجع المحاصيل، بل امتدت إلى أشجار النخيل التي تشكّل مصدر رزق للمزارعين. فمع تعطل أنظمة الري ومصادر الطاقة، ونقص الأسمدة والمبيدات والأدوية الزراعية، تتدهور صحة الأشجار ويتراجع إنتاج البلح، فيما تهدّد الآفات الزراعية ما تبقى من هذا المحصول.
وتتفاقم الأزمة مع انتشار سوسة النخيل، في ظل نقص العلاجات اللازمة لمكافحتها، ما يضع المزارعين أمام تحدٍّ مزدوج: حماية الأشجار الناجية من الدمار، وتأمين مستلزمات الرعاية الزراعية التي باتت شحيحة. وبين الخسائر المتراكمة وصعوبة استئناف العمل، يواجه هذا القطاع خطر مزيد من التراجع، فيما تتضاءل قدرة المزارعين على الحفاظ على مصادر رزقهم.
120 ألف نخلة مفقودة
يستعيد المزارع قاسم فياض واقع زراعة النخيل قبل الحرب، حين كان إنتاج البلح أفضل بكثير، بفضل توافر الأسمدة والمبيدات والعلاجات الزراعية، إلى جانب إمكانات الري اللازمة للعناية بالأشجار والحفاظ على إنتاجيتها.
لكن الظروف تبدّلت بصورة كبيرة بعد الحرب، بحسب ما يقول فياض لـ"النهار". فقد تعطلت مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل أنظمة الري، وتراجعت إمكانية الحصول على الأسمدة والأدوية الزراعية، ما انعكس سلباً على صحة الأشجار وحجم الإنتاج.
ولا يقف الخطر عند تراجع المحصول. ويحذّر فياض من أن انتشار سوسة النخيل، في ظل غياب التدخلات اللازمة لمكافحتها، قد يؤدي إلى اختفاء ما تبقى من أشجار النخيل في غزة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
أما الخسائر الناجمة عن الدمار، فيصفها بأنها واسعة النطاق، ولا سيما في المناطق الشرقية من القطاع. ويقدّر فياض عدد أشجار النخيل التي فُقدت بنحو 120 ألف نخلة، مقابل بقاء ما بين 15 ألفاً و17 ألف نخلة فقط، ما يعني تدمير نحو 90% من الأشجار في تلك المناطق.

وتشكّل هذه الخسارة ضربة لمستقبل زراعة البلح، إذ لم يفقد المزارعون جزءاً كبيراً من أشجارهم فحسب، بل تراجعت أيضاً قدرتهم على استعادة الإنتاج في ظل نقص الموارد الزراعية وصعوبة إصلاح الأضرار التي لحقت بمزارعهم.
خسائر تتجاوز المحصول
بالنسبة إلى فياض، لا تنحصر تداعيات الحرب في الأشجار المدمّرة أو كميات البلح التي لم يعد بالإمكان إنتاجها، بل تمتد إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للمزارعين الذين فقدوا مصادر دخلهم، ويعجزون عن استصلاح أراضيهم وتأمين مستلزمات استئناف العمل.

ويشدد على الحاجة إلى دعم عاجل يشمل الأسمدة والأدوية الزراعية ومستلزمات الري ومصادر الطاقة، إلى جانب توفير الدعم النفسي للمزارعين لمساعدتهم على تجاوز آثار الحرب واستعادة قدرتهم على العمل والإنتاج.
وتكشف شهادته عن حجم التحديات التي تواجه زراعة النخيل في القطاع، حيث لم تعد إعادة تأهيل الأراضي المتضررة كافية وحدها. فاستمرار هذا النشاط الزراعي يتطلب أيضاً حماية الأشجار المتبقية، ومكافحة الآفات، وتأمين مستلزمات الإنتاج التي تتيح للمزارعين رعاية مزارعهم واستعادة محاصيلهم.
القطاع الزراعي أمام خسائر بمليارات الدولارات
وتندرج خسائر مزارعي النخيل ضمن أضرار أوسع لحقت بالقطاع الزراعي في غزة. فبحسب وزارة الزراعة في القطاع، بلغت الخسائر الزراعية نحو 3.49 مليارات دولار جراء الحرب الإسرائيلية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025، منها 1.90 مليار دولار أضرار مباشرة و1.59 مليار دولار خسائر غير مباشرة، وفق بيان نشرته الوزارة في 13 تموز/يوليو 2026.
وفي مؤشر إضافي إلى حجم الدمار، أظهر تقييم لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بالتعاون مع مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، نُشر في 18 آب/أغسطس 2026، أن 3% فقط من الأراضي المزروعة في قطاع غزة كانت متاحة للوصول إليها وغير متضررة حتى 24 حزيران/يونيو 2026.
ويعكس هذا الواقع حجم العقبات التي تعترض استئناف النشاط الزراعي، في ظل تضرر مساحات واسعة من الأراضي وصعوبة الوصول إليها، إلى جانب نقص المياه والأسمدة والمبيدات ومصادر الطاقة اللازمة لتشغيل أنظمة الري.

ولا تقف تداعيات هذه الخسائر عند المزارعين وحدهم، بل تمتد إلى آلاف الأسر التي تعتمد على الزراعة لتأمين دخلها واحتياجاتها المعيشية. ومع تراجع القدرة على الإنتاج، تتزايد الحاجة إلى إعادة تأهيل الأراضي وتوفير مستلزمات الزراعة، بما يسمح للمزارعين باستئناف عملهم واستعادة قدرتهم على إعالة أسرهم.
وبين أشجار دمّرتها الحرب وأخرى تواجه خطر الآفات والإهمال القسري، تبدو حماية ما تبقى من نخيل غزة سباقاً مع الوقت. فالمهمة لا تقتصر على إنقاذ محصول زراعي، بل تشمل الحفاظ على مصدر رزق المزارعين وتهيئة الظروف التي تسمح بإعادة الإنتاج، بعدما أضعفت الحرب مقومات استمرار هذا القطاع.
نبض